تصدرت أجندة السياسة الخارجية الأميركية لفترة ما بعد هجمات 11 سبتمبر، جملة من القضايا؛ على رأسها الإطاحة بنظام صدام حسين، وإحداث التحول الديمقراطي في العراق، وإعادة إعمار الدولة العراقية. ولم تكن هذه الأجندة خاصة بالعراق وحده، بل قصد منها أن تكون محور عمل رئيسياً للخارجية الأميركية على امتداد منطقة الشرق الأوسط كله. وكان الأمل معقوداً، على أن يفضي تحرر الشعب العراقي من نير ديكتاتورية نظام صدام، إلى أن يضع العراقيون خلافاتهم الداخلية جانباً، وأن تتحد صفوفهم ويتكاتفوا معاً في بناء دولة ديمقراطية حديثة، تصلح لأن تكون مثالاً يحتذى للتحول الديمقراطي في المنطقة كلها. تلك هي الفرضيات والتصورات العامة التي استندت عليها نظرية "الشرق الأوسط الكبير" في واشنطن. وفي سبيل الدفع بها وتحويلها إلى واقع عملي ملموس، فقد زيّنت الأوهام النظرية الأيديولوجية لمروجيها من غلاة "المحافظين الجدد" في واشنطن، أن غزو العراق وإزالة النظام القائم وقتئذ، لن يكونا سوى "رقصة خفيفة رشيقة" وأن بدء تلك الدولة بالتحول وفقاً للخطة النظرية المرسومة، سيكون أمراً في غاية السلاسة واليسر. لكن وبعد أن تم الغزو –بدوافع ومبررات أصبحت هي نفسها جزءاً لا يتجزأ من الأزمة- وأطيح بنظام صدام حسين منذ أبريل 2003، ومضى على مساعي إعادة الإعمار والبناء ما يزيد على الأربع سنوات بقليل، فقد حانت لحظة إثارة الأسئلة الحرجة الصعبة، على نحو ما يفعل مؤلف هذا الكتاب، جاريث ستانسفيلد: كيف تأتى لهذه الدولة الكبيرة ذات الإمكانات الاقتصادية والسياسية الكامنة الهائلة، أن تمضي في الاتجاه المعاكس لما هو نظري وافتراضي، وأن تتحول إلى دولة أضحت تمثل خطراً على شعبها وجيرانها في وقت واحد؟ وهل يمكن استنباط الإجابة عن هذا السؤال، من التكوين السيكولوجي المعين لقادتها السياسيين، أم أن هناك عوامل ضعف كامنة في بنية الدولة العراقية نفسها؟ ثم ما هي التداعيات والتأثيرات الاقتصادية السياسية الاجتماعية على شعب هذه الدولة التي مزقتها سنوات بل عقود متصلة من الحروب والعقوبات والحرمان والطغيان والاستبداد السياسي في ظل نظام "البعث" السابق؟ هذه الأسئلة وغيرها، هي ما حاول التصدي له جارث ستانسفيلد في كتابه هذا، آخذاً في الاعتبار خصائص تعدد المجتمع العراقي، سواء كان من الناحية الثقافية العرقية، أم من الناحية الدينية والسياسية. وتضمّن تحليل المؤلف لتحولات المشهد العراقي كذلك، تأثير التدخل الخارجي من قبل الدول العظمى في تشكيل مصير العراق الحديث، ودور ذلك التدخل في التطور السياسي المأزوم الحالي. وما يعطي هذا التحليل أهميته الخاصة، جدته وتسليطه للضوء، ليس على الأبعاد التاريخية للأزمة الحالية، وإنما اهتمامه برصد ومتابعة التحولات التي طرأت منذ لحظة الغزو وانهيار نظام صدام حسين في أبريل 2003. ولا يكتفي المؤلف برصد الماضي فحسب، وإنما جعل من ذلك الرصد والتحليل، أساساً للانطلاق نحو مستقبل أفضل للعراق والعراقيين. أما ما استطاع المؤلف تقريره من حقائق يمكن الإمساك بها بين ثنايا الأسئلة والتحليل النظري، فهي أن تحولاً لاشك فيه قد طرأ على العراق منذ لحظة سقوط نظام صدام حسين. لكنه وللأسف، تحول باتجاه مزيد من الزعزعة وعدم الاستقرار، ليس في العراق وحده، وإنما على امتداد المنطقة الشرق أوسطية قاطبة. وعلى إثر غياب القبضة الحديدية لنظام صدام حسين، فقد انحدر العراق إلى هوة سحيقة من الفوضى السياسية، والتنافس الطائفي العرقي الديني، بين القوى والفصائل الاجتماعية السياسية السُّنية والشيعية. وفي عراق ما بعد الغزو، تكشف ما كان مخبوءاً ومستتراً في جوف التربة الاجتماعية السياسية العراقية من تطاحن وتنافس حادين، كرّسهما واقع القهر السياسي نفسه، الذي امتد لما يزيد على ثلاثة عقود من تاريخ العراق الحديث. وكان طبيعياً أن يتساءل المؤلف عما إذا كانت هذه التناحرات السُّنية الشيعية موجودة أصلاً قبل الغزو، وأن يحاول تفسيرها استناداً على الخلفية التاريخية الاجتماعية لتكوين المجتمع العراقي نفسه. وليس الأمر قاصراً على المسلمين السُّنة والشيعة وحدهم، وإنما اهتم الكاتب بإثارة ذات التساؤلات عن الأكراد أيضاً. فهل هم ساعون للانفصال بإقليمهم والإعلان عنه باعتباره دولة مستقلة ذات سيادة، ليست لها علاقة بالعراق؟ أم أنهم يبدون حرصاً على وحدة تراب العراق، وبالتالي الاستمرار وفقاً للترتيبات السياسية الحالية التي لا يزال يحظى بموجبها إقليم كردستان، بقدر وافر من الاستقلال الذاتي؟ ثم ما هو موقع النزاعات الدائرة بين الأكراد وبقية الفصائل العراقية الأخرى، حول مدينة كركوك الغنية بنفطها؟ ومن منظور تاريخي واسع، يشمل ثمانية عقود على أقل تقدير، نظر المؤلف إلى الكيفية التي أسهم بها التاريخ في إحداث تحولات كبيرة على المجتمع العراقي المعاصر. وقد مهد لمناقشة هذه القضايا في مقدمته التي شملت تناولاً لموضوع الهوية والديكتاتورية وبناء الدولة الحديثة. ثم تواصلت المناقشة نفسها في الفصل الأول من الكتاب، حيث تناول تسلسل الإرث الحضاري وتأثيرات الدور الإمبريالي على التطور السياسي الاجتماعي للعراق. وبين كافة التأثيرات الخارجية، أولى المؤلف اهتماماً خاصاً لفترتين هما عهد الإمبراطورية العثمانية، وتشكيل الدولة العراقية الحديثة، وصولاً إلى فترة الانتداب البريطاني ونهايته في العراق. غير أن تلك اللمحة التاريخية السريعة، لم تلهِ الكاتب ولم تصرف انتباهه عن تحليل عراق ما بعد الغزو، وتشريح أزمته الراهنة، وآفاق مستقبله السياسي التي تشترط لتحوله باتجاه الاستقرار والديمقراطية، خلوه من أي نفوذ أجنبي عليه. عبد الجبار عبد الله الكتاب: العراق: الشعب والتاريخ والسياسة المؤلف: جاريث ستانسفيلد الناشر: "بوليتي بريس"- من سلسلة بؤر النزاع العالمي- تاريخ النشر: 2007