رغم اعتراف خبراء الأمم المتحدة المنوط بهم مكافحة انتشار الإيدز بمبالغتهم في الإحصائيات المتعلقة بحجم وانتشار مرض الإيدز، والذين دأبوا على إصدارها على امتداد عقد من الزمان تقريبا، غير أن هؤلاء الخبراء يؤكدون أن مرض الإيدز سيظل- مع ذلك- مرضا قاتلا مدمرا للصحة العامة، وخصوصا في الأماكن التي ترتفع فيها نسبة الإصابة به، والتي يقع معظمها جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. يعلق بعض النقاد على هذه الأنباء بالقول: إن تلك المراجعة الواسعة النطاق التي تم إجراؤها، لا تمثل سوى اعتراف جزئي بصحة النقد الذي كانوا يوجهونه، بشأن الطريقة التي كانت هيئات الأمم المتحدة المختصة تستخدمها في تقدير نسبة المصابين بهذا المرض، واحتمالات انتشاره، والتقدير الأخير لعدد الأفراد الذين يصابون بالمرض سنويا يقل بنسبة 40 في المائة عن التقدير الذي كان قد أعلن العام الماضي في هذا الصدد. ويذكر أن تقديرات الأمم المتحدة قد أشارت منذ عام واحد فقط إلى أن عدد المصابين بهذا المرض في العالم قد وصل إلى 40 مليون شخص، وأنه آخذ في التزايد بينما تؤكد المراجعات الأخيرة أن هذا الرقم لا يزيد عن 33 مليون شخص فقط. لا شك أن انخفاض عدد الأفراد المصابين بمرض معد وقاتل بمقدار ملايين، يعد نبأً سارا في حد ذاته، غير أن المشكلة تكمن –كما يقول الباحثون- في أن المبالغة في تقدير أعداد المصابين بهذا المرض في الماضي قد حالت دون استخلاص الدروس التي كان يمكن الاستفادة منها في إبطاء معدلات انتشار المرض. تعلق "هيلين إبشتاين" -مؤلفة كتاب "العلاج الخفي: أفريقيا والغرب والكفاح ضد الإيدز"- على ذلك بقولها: "كان هناك ميل دائم نحو المبالغة في تقييم الخطر، وهو ما كان يناسب في رأيي أجندات جمع الأموال اللازمة لمقاومة المرض في الأساس"، مضيفة: "أتمنى أن تساعد الأرقام الجديدة المعدلة على إعادة تركيز الانتباه على هذه المشكلة". في الوثائق التي حصلت عليها صحيفة "الواشنطن بوست" يقول مسؤولو الأمم المتحدة: إن الاختلاف بين التقديرات الجديدة والسابقة، يرجع إلى أن عملية الإحصاء والحساب نفسها قد أصبحت أكثر دقة من ذي قبل، ولا يرجع لتحولات جوهرية في أوضاع المرض نفسه. أما الأسباب التي أدت إلى المبالغة في التقديرات المتعلقة بمدى انتشار المرض، فترجع في معظمها إلى الطريقة التي كانت تُستخدم في حساب تلك التقديرات، حيث كان مسؤولو الأمم المتحدة يبنون تقديراتهم دوما على معدلات انتشار العدوى بين النساء الحوامل اللواتي يتلقين رعاية صحية في الفترة السابقة، للحمل وهو إجراء غير سليم لأن هؤلاء النسوة -في مجموعهن- كن أصغر سنا، وأكثر تمدينا، وثراءً، وأكثر نشاطا جنسيا من باقي فئات السكان. ووكالة الأمم المتحدة للإيدز المعروفة باسم"يو. إن. إيدز" UNAIDS والتي يترأسها عالم بلجيكي يدعى "بيتر بيوت" منذ تأسيسها عام 1995، عُرفت دوما بدعوتها المستمرة لزيادة المخصصات المالية اللازمة لمقاومة الوباء، وهو ما كان سببا -ضمن أسباب أخرى بالطبع– في زيادة الإنفاق العالمي على الإيدز خلال العقد الأخير بنسبة 30 في المائة ليصل إلى 10 مليارات دولار في العام. ولكن أساليب الهيئة في رصد المرض، والحيلولة دون انتشاره واقتراح استراتجيات لمقاومته، تعرضت لانتقادات شديدة وخصوصا خلال السنوات الأخيرة، سواء من "أبشتاين" أو غيرها من الذين اتهموها بأنها هيئة ذات طبيعة سياسية أكثر منها علمية؛ فلسنوات طويلة كانت التقارير التي تصدرها الهيئة، تصور الإيدز على صورة وباء قابل للانتشار فيما وراء منطقة تمركزه في جنوب أفريقيا، وأنه سيتسبب في زيادات كبيرة في أعداد الوفيات سواء في الدول التي يتمركز فيها أو التي سينتقل إليها. فعلى سبيل المثال، كان أحد تقارير تلك الهيئة يحذر من أن عدد المصابين بالمرض في الصين سيصل إلى 10 ملايين مصاب في نهاية العقد (كان ذلك العقد يبدأ من عام 2002 حيث لم يكن عدد المصابين يزيد عن 1 مليون فقط). وكثيرا ما كان "بيتر بيوت" يكتب بنفسه مقدمات مطولة لتلك التقارير، يحذر فيها من أخطار العدوى، ومنها ما كتبه في تقرير عام 2006 الذي قال فيه: "إن معدل انتشار الوباء قد فاق معظم التوقعات"؛ ولكن الدراسات الجديدة والأكثر دقة والتي يجري إعدادها منذ سنوات، قدمت أدلة دامغة على أن الأدوات التي كانت الهيئة تستخدمها في إعداد تلك التقديرات، وتوقع المسار المستقبلي له كانت خاطئة، وتفتقر إلى الدقة، وتتسم بالمبالغة الشديدة. يشار إلى أن الصورة الجديدة لوباء الإيدز، ومدى انتشاره، تبين أنه سيكون هناك تركيز ضخم للمرض في الثلث الجنوبي في القارة الأفريقية، وخصوصا في دول مثل "سوازيلاند" و"بوتسوانا"، التي تشير تلك الدراسات إلى أن واحدا على الأقل من بين كل أربعة من سكانيهما سوف يكون حاملا لفيروس نقص المناعة المكتسبة. أما خارج القارة الأفريقية، فإن المرض سوف يتركز في بعض المجموعات ذات السلوكيات الخاطئة والخطرة في آن، كمدمني تعاطي المخدرات عن طريق الحقن، والعاملات في مجال الجنس، والشواذ. في نفس الوقت ستتيح الأرقام الجديدة والأكثر دقة التي أعلن عنها فرصا أفضل لاختيار وسائل الوقاية المناسبة -كما يقول الباحثون في مجال الإيدز-. كريج تيمبرج كاتب أميركي متخصص في شؤون العلوم والتقنية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"