التحايل السياسي... المواجهة الحذرة
تعد الحيلة وسيلة ناعمة وحذرة للتأثير على الآخرين بغية الاستفادة منهم مادياً أو معنوياً، أو تمرير موقف صعب على المتحايل لا يستطيع أن يواجهه بأساليب عنيفة ظاهرة. ويصل التحايل إلينا عبر عدة حوامل منها: الكلمة والصوت والصورة والمجال والملمس والزمن والكتابة والضوء واللون والرائحة والحركة. وتستخدم هذه الحوامل إما مجتمعة أو منفردة أو في صيغ متعددة من الجمع بينها.
ويرتبط مصطلح التحايل بالتلاعب الذي يعني، حسب القواميس الفرنسية التعامل الذكي والحذر بين البشر. وفي ألمانيا النازية، تم استعمال المصطلح بمعنى توظيف مختلف الموارد والوسائل والإمكانات المادية والبشرية بفاعلية ومهارة وإتقان. وجاءت دائرة المعارف الألمانية لتعرف المصطلح بوصفه التأثير على البشر أفراداً كانوا أو جماعات، ومراوغتهم بقصد الاستفادة منهم، وذلك بدمغ الوعي والعادات الفكرية والاجتماعية ومراكز الحس لديهم لمنعهم من اتخاذ قراراتهم الذاتية بحرية تامة.
وتنطوي نصوص وممارسات عربية قديمة على أنماط جلية من التحايل، لاسيما في مواجهة الحكام. فهناك مخطوطة عربية مجهولة المؤلف بالمكتبة الوطنية بباريس يرجح عودتها إلى القرن الثالث عشر الميلادي تحمل عنوان "رقائق الحلل في دقائق الحيل"، لم يعتمد كاتبها في نصحه للحكام على الأسلوب المباشر الذي اتبعه ميكافيللي، وإنما سلك درب الحكاية والقصة كوسيلة لتعليم الحكام فنون الإدارة والحكم، وقسم حكاياته إلى طرق الملائكة والأنبياء وأدعياء النبوة والملوك والسلاطين والوزراء والقضاة والفقهاء والعباد والزهاد، ليحذر من خلالها الحكام من مغبة الظلم والاستبداد، ويبصِّرهم بالفوائد العظيمة التي تترتب على حكمهم بالعدل.
وعلى رغم أن "الآداب السلطانية"، التي تم تأليفها على نطاق واسع في التاريخ الإسلامي، رمت في الأساس إلى تقديم النصيحة للملوك والسلاطين ومساعدتهم على إطالة عمر حكمهم بالسيطرة على الرعية وقهر المنافسين على السلطة وهزيمة العدو الخارجي، فإنها انطوت في جانب منها، حتى ولو كان يسيراً، على نوع من المواجهة الحذرة، حيث لم يكن الناصح قادراً على أن يبين للسلطان مَواطن الظلم في مسيرته السياسية، فكان يستبدل هذا بحديث مفرط عن "العدل" وإغاثة المظلوم والاتصاف بالكرم. ومع أن أغلب الحكام لم يتعاملوا مع هذا النوع من النصائح بما يليق به من أهمية، ولم يحملوه على الجد، مدفوعين بـ"طبائع العمران وليس بما تحطه التآليف" كما يقول ابن خلدون، فإن كثيراً من مدبجي الآداب السلطانية كانوا يشعرون بأنهم يؤدون ما عليهم من دور في مواجهة الحاكم بحذر وحساب، تقتضيه طبيعة العلاقة بين الطرفين، التي تقوم على تبعية الناصح للحكام واستقواء الأخير على من يقدم له النصح.
وبعض هذه النصائح أخذ صيغة مباشرة مثل ما جاء في كتاب "نصيحة الملوك" للماوردي الذي ينطلق من أن "الملوك أولى الناس بأن تهدى إليهم النصائح، وأحقهم بأن يخولوا بالمواعظ، إذ كان في صلاحهم صلاح الرعية، وفي فسادهم فساد البرية"، لينصح أهل الحكم بأن يترفعوا عن مشاكلة أهل الغباوة والجهالة، وسوء النشوء والعادة، وأن يجالسوا العلماء، ويأخذوا بآداب الدين، ويتعلموا أن الملك لا ينال إلا بالخدمة الطويلة، والرياضة الصعبة الشديدة، والمخاطرة العظيمة والأشغال الكثيرة والآمال البعيدة، التي ربما أتت دونها المنية لأن الملك محنة وابتلاء. ثم يحمل الماوردي على الحاشية التي تحيط بالسلطان بالحكام، ويرى أن أغلبهم لا يكلمون الحاكم إلا بما يوافق أهواءه، ولا يستقبلونه إلا بما يطابق آراءه، مخافة على منافعهم، وتحصيناً لدمائهم.
وبعض النصائح أخذ صيغة غير مباشرة. وفي كتابه الأثير "الإمتاع والمؤانسة" يقدم لنا أبو حيان التوحيدي أمراً من هذا القبيل، فحين يطلب منه الوزير أبو عبدالله العارض أن يحدثه عن حكاية غريبة يختار بدهاء وذكاء واحدة من حكايات الشطَّار والعيَّارين، الذين أظهروا تحديّاً شديداً لسلطة العباسيين ليوصل من خلالها رسالة ذات مغزى للوزير، إذ يقول: "كل ما كنا فيه، كان غريباً بديعاً عجيباً شنيعاً حصل لنا من العيارين القُواد، وأشهرهم أبو الدود وأبو الذباب، وأسود الزبد، وأبو الأرضة، وأبو النوابح، وشنت الغارة، واتصل النهب وتوالى الحريق حتى لم يصل إلينا الماء من دجلة" وبعد هذه المقدمة التي يقدح فيها بدهاء في هؤلاء المتمردين، وإن كان يظهر فيها قوتهم وعظم تحديهم للخلافة، يميل إلى ذكر ملحة لأسود الزبد، الذي كان يعيش عاري الجسد إلا مما يستر عورته، وكان سفاحاً مغيراً طالما سفك الدم ونهب وسلب، ومع هذا فإنه أعتق جارية اشتراها بألف دينار على رغم أنه كان يعشقها بجنون، فهي "لما حصلت عنده، حاول منها حاجته، فامتنعت عليه، فقال لها: ما تكرهين مني؟ قالت: أكرهك كما أنت. فقال: فما تحبين؟ قالت: أن تبيعني. قال لها: أو خير من ذلك أعتقك وأهب لك ألف دينار. قالت نعم. فأعتقها وأعطاها".
وقد وجه الوزير سؤالا إلى أبي حيان عن مصير هذا الرجل فقال له: "صار في جانب أبي أحمد الموسوي وحِماه، ثم سار إلى الشام فهلك بها". وهنا يرسم التوحيدي، الذي طالما مارس التحايل في صيغة الصبر المدبر، للوزير بدهاء معالم الشهامة والرجولة عند معارضي الدولة التي يمثلها، ويظهر حجم جبروتها حين يبين كيف أنها تتخلص من معارضيها، مع أن استئناسهم ليس عصياً، ما يدل عليه موقف أسود الزبد من الجارية.
وكما سبقت الإشارة، فإن الأدب الشعبي يحفل بأشكال ومظاهر عدة للمقاومة بالحيلة. فشخصية جحا مثلا، التي توزعت على حضارات وجنسيات شتي، تبدو نوعاً صارخاً من التحايل الذي يقوم على المكر والدهاء والذكاء وسرعة البديهة وبلاغة الرد في مواجهة سلطة غاشمة أو شخصية متجبرة أو موقف صعب. وامتدت هذه الشخصية لتطوق اهتمامات وميول ومجالات عدة، فقدمت الجانب الإنساني في (جحا العربي) والجانب الاجتماعي في (جحا الفارسي والتركي) والسياسي في (جحا المصري) لتبدو في النهاية شخصية أسطورية ترمز إلى التندر ممن يملكون على الناس أي سلطة، ويسيئون استخدامها، وتسعى إلى حث الجماهير على المقاومة، وتعبئتهم بطريقة ناعمة وبطيئة من أجل الوقوف في وجه الجائرين، والسعي الجاد إلى التغيير.
وقد فاض "الأدب الجحوي" بألوان من النقد السياسي، لا سيما أن ظهور شخصية جحا، كمسألة رمزية، ارتبطت بحقب زمنية كان يشتد فيها الصراع بين قوميتين أو أكثر، أو التي تنهار فيها دول وتقوم أخرى على أنقاضها، حيث تشتد التناقضات في النظم الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، ويزداد الكبت والقهر والقمع، وتصبح هناك ضرورة للعمل على مواجهة هذه التناقضات وحلها، والتغلب على هذا القهر وإنهائه، ولو مؤقتاً، ومقاومة التسلط والفساد لإضعافهما إلى أدنى حد.
وأخذت شخصية جحا ثلاثة مسالك أساسية للمواجهة الحذرة، الأول هو عدم الاكتراث بالظاهر من الأمور والاعتصام بنزعة صوفية تقي الفرد من الذوبان مع المقهورين، أو الاستسلام التام للتسلط. والثاني هو الاندفاع نحو المجون، بوصفه نزعة من نزعات التمرد على الواقع، أو الهرب منه بالاستعلاء عليه. أما الثالث، فهو السخرية من الواقع المعيب، والأشخاص المتكبرين والمستبدين. وهذه المسالك يعاد إنتاجها مع الزمن، في تجدد لا ينتهي، بحيث يبقى "الرمز الجحوي" ملهماً لألوان من الفكاهة والتندر والسخرية الحديثة والمعاصرة.
لا تزال الفكاهة قادرة على أن تقدم لوناً عميقاً من المقاومة بالحيلة؛ لأنها دوماً تؤدي ثلاث وظائف أساسية مرتبطة بهذه المهمة: أولاها أن الفكاهة تعد وسيلة للتخفيف من وطأة القيود الاجتماعية، لأنها تساعد على تصريف الأفكار المكبوتة والطاقات المترددة والمطمورة. وثانيتها أن الفكاهة تساعد على ممارسة النقد الاجتماعي، حيث السخرية من بعض المؤسسات والشخصيات السياسية وإطلاق النكات عليها. وثالثتها أن الضحك يساعد على مواجهة القلق والخوف؛ لأنه يجعل الإنسان يعلو على المواقف المربكة، والمخاوف المقلقة، والصراعات المهلكة، ويتمكن من السيطرة عليها.
وتعد السخرية أرقى أنواع الفكاهة، لما تحتاج من ذكاء وخفاء ومكر، وهي لذلك أداة دقيقة في أيدي الفلاسفة والكتاب للسخرية من الاعتقادات الخاطئة والخرافات، ويستخدمها الساسة للنكاية بخصومهم، إما في صورة تهكم أو تقريع خالص، أو بشكل رقيق ناعم، يجرح من دون أن يسيل أية دماء.