لم يؤثر الجدل الذي أشرنا إليه، حول مدى صحة نسبة رباعيات الخيام إلى الشاعر، في انتشارها وترجمتها إلى لغات غربية وشرقية لا حصر لها، ولقيت في العالم العربي بالذات اهتماماً ملفتاً للنظر، وبخاصة في القرن العشرين. ويحصى د. يوسف بكار 33 ترجمة شعرية، و15 ترجمة نثرية، و7 ترجمات بالأشعار الشعبية. وقد اشتريت أخيراً ترجمة شاملة للرباعيات، صادرة عام 2007، للشاعر العراقي صالح الجعفري، تضم 400 رباعية لها أصل فارسي و37 لم يعثر لها على أصل! ولربما وُجدت ترجمات أخرى... لا نعلم عنها شيئاً. فما سر هذا الاهتمام؟ وتعد ترجمة القاضي "نظام الدين الأصفهاني"، المتوفى عام 1281، لرباعية واحدة فقط، يقول د. يوسف بكّار، "أول محاولة في ترجمة الرباعيات إلى العربية". وهي ترجمة دقيقة وافية بالمعنى، وليست حرفية، أما الريادة في ترجمة الرباعيات في العصر الحديث، فتأكيدها موضع أخذ ورد. فقد قيل إن "وديع البستاني"، الفلسطيني الأصل، أول من ترجمها نظماً عن الإنجليزية عام 1912. وقيل إن "محمد الهاشمي" من العراق كان أول من نقلها نظماً إلى العربية، بعد أن ترجمها له "أحمد حامد الصراف" نثراً عن الفارسية عام 1923. وقيل كذلك إن ترجمة "أحمد رامي" الشعرية لعام 1924، هي أول ترجمة لها عن الفارسية. غير أن التقصي والاستقرار التاريخي، يقول د. بكّار. يقطع "بأن أول من ترجم بعض الرباعيات نثراً عن الإنجليزية هو أحمد حافظ عوض، من مصر، في مقاله "شعراء الفرس"، الذي نشر في المجلة المصرية عام 1901، وتلاه عيسى اسكندر المعلوف، الذي ترجم ست رباعيات شعراً عن الإنجليزية عام 1904 ونشرها في مجلة "الهلال" العام 1910". وتضم قائمة المترجمين لرباعيات الخيام نظماً ونثراً، أسماء العديد من أدباء وشعراء مصر والعراق ودول الشام. ومنهم مصطفى وهبى التل والمازني وأمين نخلة والزهاوي وأحمد الصافي النجفي وأحمد زكي أبوشادي وإبراهيم العريّض (من البحرين) والعقاد وطالب الحيدري وعيسى الناعوري (8 رباعيات عن الإيطالية) وجميل الملائكة ومحمد غنيمي هلال وقيصر المعلوف ومحمد حسن عواد (من السعودية)، وبينهم مترجمون مجهولون في الحياة الثقافية العربية مثل "نويل عبدالأحد" و"همايون"، من هذه الترجمات إحدى وعشرون عن الفارسية مباشرة، وست عشرة ترجمة عن "ترجمة فيتزجيرالد". لم يكن "البستاني" يعرف الفارسية، فهو يعترف بأنه لا يكاد يعرف منها كلمة. وكانت ترجمته من حوالي 153 كتاباً عن الخيام والرباعيات وجدها في "المكتبة الأهلية" في لندن. ولهذا كانت ترجمة عن ترجمات ودراسات غربية كثيرة، وإن كانت ترجمة فيتزجيرالد أصلها الأساسي. وقد كانت ترجمة محمد السباعي كذلك عن الإنجليزية وعدد رباعياتها 101 رباعية، ونشرت عام 1922. وكان السباعي يرغب في دراسة الطب، كما يقول د. البكّار، فالتحق بكلية الطب، لكنه تركها بعد أول "حصة تشريح" حيث أغمي عليه فيها، وانتقل إلى مدرسة المعلمين العليا وتخرج فيها عام 1904، ثم عُيّن، لتفوقه، مدرساً فيها ليوفد في بعثة إلى إنجلترا، ثم حال ظرف دون ذلك. فعمل مدرساً للإنجليزية والترجمة، وهو بالمناسبة والد الأديب والقصصي المصري المعروف يوسف السباعي (1917-1978). أما "محمد الهاشمي البغدادي"، فيقال إنه نظم الشعر وهو ابن خمسة عشر عاماً، وتعلم الفارسية وقرأ روائع أدبها نظماً ونثراً. ويبدو أن عناية "الهاشمي" بالخيام والرباعيات قديمة، وأن تفكيره في ترجمة الرباعيات يعود إلى ما بعد ظهور الترجمة الإنجليزية فيقول: "وقد هممت أن أنقل رباعياته عن الفارسية إلى العربية بعد ظهور الترجمة الأولى لرباعياته عن الإنجليزية. ولما كنت في القاهرة تحدثت مع أحد الأدباء العراقيين في هذا الشأن سنة 1918، إلا أنني لم أجد ما يعينني على هذا العمل حتى عدت إلى بغداد، فرأيت الأديب أحمد أفندي الصراف، وهو شاب عارف باللغتين العربية والفارسية ومتأدب في كلتيهما، فسألته عن ذلك فاستحسن الرأي وبادرنا إلى ذلك، هو ينثر وأنا أنظم حتى انتهينا من نظم ما ينوف على مائة وستين رباعية.. وقدمنا للكتاب مقدمة جليلة الشأن كتبها لنا ثلاثة من فطاحل الأدب الفارسي والعربي اشتملت على أمور كانت مجهولة لدى الافرنج والعرب". ولاشك أن الشاعر أحمد رامي (1892-1981) هو الذي طغت شهرته في مجال ترجمة رباعيات الخيام، وبخاصة بعد غناء السيدة أم كلثوم بعضاً منها. وقد بدأ اهتمامه بالرباعيات مذ قرأ ترجمة وديع البستاني، فاعجب بما ورد فيها وتطلع إلى قراءتها بالإنجليزية. ثم امتد طموحه إلى معرفة اللغة الفارسية فتحقق ذلك في مدرسة اللغات الشرقية بباريس، حين أوفدته دار الكتب المصرية عام 1922م. فقرأ أبواباً من "الشاهنامة" و"كلستان" سعدي الشيرازي، و"أنوار سهيلي" ووقعت له هناك، كما يقول "نسخة رباعيات الخيام التي قام بنشرها سنة 1867 المستشرق الفرنسي "نيقولا" عن نسخة طهران، "فانقطعت لقراءتها وتوفرت على درسها حتى إذا انتهيت منها دار بخلدي أن أنقلها عن الفارسية إلى الشعر العربي في رباعيات كما نظمها الخيام. وشجعني على ذلك افتقار اللغة العربية في ذلك العهد إلى هذه الرباعيات منقولة عن الفارسية". وصح لديه العزم، فجعل يراجع نسخ الرباعيات في مختلف المكتبات، وتنقل بين بريطانيا وألمانيا وفرنسا، وقابل المستشرق "براون" المتخصص في الدراسات الفارسية. وفي باريس، يقول، "انقطعت لاتمام ترجمتي لهذه الرباعيات حتى إذا انتهيت من دراستي ونلت دبلوم مدرسة اللغات الشرقية في اللغة الفارسية رجعت إلى مصر وأخرجت الطبعة الأولى من ترجمتي الرباعيات سنة 1924". ويرى "د. بكّار" أن رباعيات رامي مُنتقاة انتقاءً فكرياً دقيقاً، وتتميز بسهولة لغتها وبساطتها وعذوبتها. وقام الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي (1863-1936) بترجمة الرباعيات مرتين، إحداهما نثرية والثانية شعرية، ونشرهما معاً مع الأصل الفارسي، في كتاب واحد، عنوانه "رباعيات الخيام" عام 1928. وكانت صلة شاعر عراقي ثان بالرباعيات قديمة، وهو أحمد الصافي النجفي (1897-1977)، وقد أتيحت له الفرصة لتعلم الفارسية والاطلاع على آدابها، حيث ترك العراق بعد فشل ثورته الكبرى عام 1920، وبقي في إيران ثماني سنوات. وانهمك على امتداد ثلاث سنوات في ترجمة الرباعيات فانجز ديوانه في 351 رباعية، نشرها لأول مرة في دمشق عام 1931. ترك "الصافي" العراق مستشفياً إلى سوريا عام 1930، وبقي يتنقل بينها وبين لبنان إلى أن استقر به المقام في بيروت حتى أوائل عام 1976. ويقول أحمد العلاونة في كتاب "ذيل الأعلام"، المطبوع في جدة 1998م "إن الحكومة العراقية نقلته إلى العراق بعد أن أُصيب برصاصة من جراء الفتن التي وقعت في لبنان وأدخلته المستشفى وعنيت بمعالجته والانفاق عليه حتى توفي. ومن المترجمين للرباعيات ممن يستحقون الحديث عنهم الأديب البحريني والشاعر الكبير المرحوم إبراهيم العريِّض (1907-2002)، وكان يتقن الإنجليزية والفارسية والأردو. ونختتم حديثنا عن الخيام بالتساؤل عن سر اهتمام الشعراء والأدباء والزجالين العرب به كل هذا الاهتمام، فيصرف أكثر من خمسين منهم الوقت والجهد وأحياناً المال في سبيل دراسة شعر الخيام وفهمه وترجمته نثراً وشعراً. وقد نجد الإجابة في إعجاب الأديب العربي بجرأة أسئلة الخيام، ونظرته المأساوية إلى النهاية، ودعوته إلى ترك التفكير والاغتمام بما سيأتي مع الغد والغيب، وأن يحرص الإنسان قدر استطاعته بأن "يغنم من الحاضر لذاته، فليس في طبع الليالي الأمان".