أبيي: رهانات التعايش والانفصال
كادت منطقة أبيي تكون بمثابة المسمار الأخير في نعش اتفاق "نيفاشا" للسلام في السودان، لولا أن أصدرت محكمة العدل الدولية قرارها التحكيمي يوم الأربعاء الماضي، والذي قسمها بنسبٍ أرضت الطرفين، ونزع فتيل حرب كانت ستندلع في أي وقت. فما هي منطقة أبيي، جغرافياً وسكانياً؟ وما أهم الرهانات الكبرى، الاقتصادية والسياسية، المرتبطة بالنزاع عليها؟ وهل من شأن قرار التحكيم الدولي أن ينزع أي إمكانية للحرب على أبيي مستقبلاً؟
جغرافياً، تقع منطقة أبيي على بعد نحو 900 كم إلى الجنوب من العاصمة السودانية الخرطوم، وتمتد داخل ولايتي جنوب كردفان وشمال بحر الغزال الشماليتين، في منطقة "السافانا" الغنية. وحسب تقارير متداولة سابقاً في الخرطوم، فإن منطقة أبيي تمتد على مساحة قدرها نحو 700 كيلومتر مربع، أما بالنسبة لـ"الحركة الشعبية" (التمرد السابق)، فمساحتها تتجاوز ذلك بكثير. وتتمتع أبيي بثروات طبيعية وفيرة في ظاهر وباطن أرضها، مثل المياه الجوفية، والبترول ومنتجاته، إضافة إلى ثروة حيوانية تقدر بنحو 10 ملايين رأس، وكذالك الأراضي البكر الصالحة لإنتاج المحاصيل الزراعية المتنوعة، من ذرة ودخن وفول وسمسم وقطن وكركدي وحب البطيخ وعباد الشمس، فضلاً عن الثروة الرعوية والغابية والصمغ العربي وصمغ الطلح والحياة البرية. وإلى ذلك، فإن أبيي غنية أيضاً بالنفط، فثلثا النفط السوداني المستغل يُنتج منها، حيث يقدر الاحتياطي المؤكد فيها بأكثر من 200 مليون برميل. ومنها يمتد أنبوب النفط الرئيسي إلى الخرطوم، حيث تقع أكبر مصفاة للنفط، وإلى ميناء "بشائر" لتصدير النفط على البحر الأحمر.
أما من منظور الجغرافيا السكانية، فإن أبيي تقع على خط الصدع العرقي في السودان، كما تعتبر منطقة تداخل عربي أفريقي منذ قرون، حيث يقطنها مزيج من القبائل الجنوبية مثل "الدينكا"، والشمالية مثل "المسيرية". هذا فضلاً عن جيوب قبلية أخرى صغيرة مثل: "النوير، والروينق، والفلاتة، والرزيقات"... وكلهم يمتهنون الزراعة والرعي في تكامل تعمقت جذوره عبر الزمن.
وإن ادّعى كل طرف قبلي سيادته التاريخية على المنطقة، واصفاً الآخرين بالوافدين الغرباء، فإن تاريخ التداخل السكاني بين المجموعات العرقية في أبيي يعود إلى ثلاثة قرون خلت. ففي عام 1765، دخلت قبيلة "المسيرية" العربية إلى أبيي بعد حروب طُردت على إثرها قبيلتا "الداجو" و"الشات" اللتان كانتا تقطنان هناك في الأصل، وهو قول لا تنفيه قبيلة "المسيرية" التي تقول إنها توطنت في أبيي منذ حوالي ثلاثة قرون، بينما يرى "الدينكا نجوك" أن المنطقة في الأصل تتبع لهم، وهي معقلهم الرئيسي وأن "المسيرية" دخلوها وظلوا فيها كضيوف رحل.
وفي ظل هذه الاعتقادات المترسخة والمتناقلة بين الأجيال، وخلال الحرب الأهلية التي مزقت السودان في الفترة بين عامي 1983 و2005، كان من السهل على الطرفين، الحكومة والتمرد، استعمال السكان المحليين للقتال بدلاً منهما.
وفيما تعتبر الخرطوم أن أبيي تمثل جسراً للوحدة الوطنية بين شمال السودان وجنوبه، وأنها مثلت باستمرار نموذجاً للتعايش السلمي بين المسلمين فيه وغيرهم، بين العرب والأفارقة، إلى جانب كونها من الناحية الإدارية ظلت شمالية على الدوام... فإن الحركة الشعبية تعتبر أن أبيي كانت تابعة للجنوب قبل ضمها بقرار من الحاكم العام البريطاني لشمال مديرية كردفان عام 1905، ومن ثم تطالب بإعادتها إلى الجنوب، كما تتهم الرئيس الأسبق إبراهيم عبود بفرض تغييرات في المنطقة من خلال العمل العسكري وجهود الأسلمة والتعريب!
واللافت أنه طوال تاريخ محاولات حل مشكلة جنوب السودان، منذ تفجرها بعيد إعلان الاستقلال، بداية من "مؤتمر المائدة المستديرة" عام 1965، مروراً ببيان "9 يونيو" عام 1969، واتفاق أديس آبابا عام 1970، واتفاق كوكادام عام 1988، واتفاق "الميرغني -جرنج" عام1980... لم يرد أي ذكر لقضية أبيي! ربما لأنها حساسة جداً وهادئة في الوقت ذاته، كونها منطقة تداخل سكاني واقتصادي كثيف، وربما أيضاً لأنها كانت ستبدو قضية جزئية إلى حد كبير مقارنة بموضوع الحرب الأهلية في الجنوب كله آنذاك.
غير أنها أصبحت قضية أساسية أو بمثابة الشوكة في حلق اتفاق "نيفاشا" الموقع عام 2005، وذلك للأهمية التي اكتسبتها عقب اكتشاف الثروة البترولية في باطن أرضها، ومن ثم أصبحت الرهان الاقتصادي الأعظم لفكرة إعلان انفصال الجنوب وقيام دولته المستقلة، والتي بدون بترول أبيي تفقد الكثير من أهميتها. بهذا المعنى، يبدو النزاع على أبيي شبيهاً بنظيره على كركوك في العراق، من حيث كونهما منطقتين نفطيتين في بلدين عربيين، يتوقف على مآل كل منهما مشروع إنشاء دولة جديدة فيما يليه من الأرض.
أما الفارق، فهو أن نزاع أبيي عرض على محكمة لاهاي التي لا تنظر عادة إلا في نزاعات بين دول. فقد رفع طرفا النزاع في السودان، وهما الحزبان الحاكمان (المؤتمر الوطني والحركة الشعبية)، إلى محكمة العدل الدولية في ديسمبر الماضي، نزاعهما حول حدود أبيي للبت فيه، بعد معارك دامية بين قواتهما شهدتها المنطقة في مايو 2008 وأدت إلى دمار واسع. وكان الطرفان قد فشلا في التوصل لاتفاق حول تبعية أبيي قبل توقيع اتفاق "نيفاشا" عام 2005، فأسندا مهمة حلها إلى لجنة خبراء أجانب، أصدرت قرارها في عام 2007 ولم تكتفِ بإعطاء منطقة أبيي بحقولها النفطية للجنوب، بل زادت مساحتها من 10 آلاف كيلومتر مربع إلى 18.5 كلم مربع. وهو القرار المثير الذي رفضه "المؤتمر الوطني"، ثم جاء قرار المحكمة الدولية، الأربعاء الماضي، ليدخل تغييرات جوهرية عليه، إذ قلص مساحة المنطقة جاعلاً حدودها الشمالية عند خط العرض 10 درجات و10 دقائق، ليمنح الخرطوم السيطرة على أهم الحقول النفطية، بينما منح حوالي 75 بالمئة من الأرض والماء للجنوب. وربما أهم من ذلك أنه جعل أبيي منطقة مملوكة للجانبين على السواء، فأرضاهما معاً، وأنقذ عملية سلام السودان المحتضرة أصلاً!
محمد ولد المنى