قال السفير الأميركي بالعراق كريستوفر هيل، في جلسة استماعٍ بالكونغرس، عبارتين مهمتين تتصلان بالرؤية الأميركية الحالية للسنوات القليلة القادمة بالعراق. العبارةُ الأولى تقول: "إنّ طريقة تعامُل العراق مع جيرانه ستحدد الإطار الإقليمي للمنطقة في السنوات المقبلة...". أما العبارةُ الثانيةُ -وهي الأهم- فقد أتت في صيغة تساؤلٍ نصُّهُ: "هل العالم العربي السُني على استعدادٍ لإفساح المكان لدولةٍ يقودها الشيعةُ ولا يهيمنون عليها؟". إنّ الذي أراه أنّ هاتين العبارتين مفتاحيتان -إذا صحَّ العبير- ولا إجابةَ على العبارة الثانية إلاّ بفهم العبارة الأولى، أي كيف يتعاملُ العراق مع الدول العربية الأُخرى، ومع كلٍ من إيران وتركيا؟ هل يتعامُل العراقُ مع العرب الآخرين باعتباره دولةً عربيةً لها حقوق، وعليها التزاماتٌ وواجبات؟ أم باعتباره دولةً متعددة القوميات، وبالتالي مُحايدة تُجاه العرب وغيرهم حتى لا تتهدد وحدتُها -ولو كانت فيدرالية- كما كان عليه الأمر مع سويسرا لأكثر من قرنين؟ أم يَضعُفُ العراقُ عن هذا وذاك؛ فيتحول إلى مخلب قطٍ لإيران تُجاه بلاد الشام، وتُجاه الخليج؟ ولنتذكر بدايةً أنَّّ أول تصرف "سيادي" قام به العراقُ بعد سقوط صدّام، ما حصل قبل أُسبوعين من سحب سفيره من دمشق، على مشارف اتّهامها بإيواء أُناس يعملون ضد الأمن في العراق! وقد قلتُ وقتَها إنّ ذلك يُذكّرُنا بالتوترات التي كانت تحدث بين العراق وسوريا منذ وصول "البعث" للسلطة في البلدين في الستينيات. لكنّ هذا الشبه عَرَضيٌّ أو رمزيٌّ فقط. فقد كان الصراع بين البعثين أيديولوجياً وعلى السلطة؛ بينما هو الآن أمنيٌّ وسياسيٌّ واستراتيجي. فقد كان البعثان في العراق وسوريا يتنافسان ظاهراً على مَنْ هو الأشدُّ أمانةً للقومية العربية، وللأُمة العربية، وللصراع مع العدو الصهيوني. وقد مضى العراقُ الصدّامي في النهاية باتجاه إيران وباتجاه الكويت، زاعماً أنّ هذا هو الطريق المؤدّي لتحرير فلسطين. أما النظام السوري، فمضى أيضاً بدلا من فلسطين وتحرير الجولان، مضى إلى لبنان، وإلى التحكم بمصائر الشعوب الثلاثة: السوري واللبناني والفلسطيني، على مدى عقدين أو أكثر؛ والتفاوُض والمُصافقة باسمها مع الولايات المتحدة، وبشكلٍ ما مع العدوّ الصهيوني. وفي نطاق المهمات التي تسلّمها النظام السوري: ملفّ الأقليات الشيعية والمسيحية. فقد أحتضن المعارضة القومية والشيعية بالعراق، كما احتضن الشيعة بلبنان. أما المسيحيون فقد زعم لدى القوى العظمى أنه إنما دخل إلى لبنان لثلاثة أسباب: التخلص من فوضى الفلسطينيين، وحماية المسيحيين، والخلاص من تنامي النفوذ الشيوعي واليساري في البلاد! وما من شكَّ أنّ اتفاق أوسلو عام 1993 من جهة، وخروج الإسرائيليين من لبنان عام 2000 من جهةٍ ثانية؛ أفقدا النظام السوريَّ ملفَّين رئيسيَّين كان يتولاّهما؛ وإن استطاع الاستمرار في التأثير بالملف الفلسطيني، من خلال "حماس" التي تستقر قيادتُها عنده، وفي لبنان من خلال تحالُفه السابق مع "حزب الله"، ثم من خلال حلفائه القُدامى والجدد بين المسيحيين اللبنانيين. إنما الذي زعزع استراتيجية النظام السوري كلّها للاستقرار والنفوذ؛ كان الاحتلال الأميركي للعراق. إذ إنه فقد عدة أمورٍ مرَّةً واحدة: ما عاد حامياً للأقليات الشيعية بعد أن صارت للشيعة دولتان، وصار "حزب الله" أقوى من سوريا في لبنان. وما عاد حامياً للقومية العربية ما دام هو الحليف الأول لإيران التي تتمدد على الأرض العربية باسم الإسلام وليس باسم العروبة. وما عاد له دورٌ في التوسط بين العرب وإيران؛ لأنّ إيران أقامت علاقاتٍ مباشرةً مع السعودية بدون واسطة. واضطربت علائقهُ اضطراباً شديداً بالولايات المتحدة لوجود جيوشها على حدوده، ولتسرُّب السلاح والمسلَّحين من سوريا إلى العراق، ولانزعاج الأميركيين من السلوك السوري في سائر أنحاء المنطقة. بيد أنّ ثمة أمرا حساسا، ولا يتحدث الكثيرون عنه؛ وبخاصةٍ الإيرانيين وأهل النظام بسوريا. فما دامت الهويات والانتماءات هي المطروحة، وبخاصةٍ الهوية الدينية -وهذا منطق النظام الإيراني- فما هي هويةُ النظام السوري، ومن يمثّل، وماذا؟ يستطيع طبعاً البقاء في ظلّ إيران، والانتماء إلى "الهلال الشيعي" الذي تحدث عنه عبد الله الثاني مرةً وحيدةً ثم طواه. لكنّ أكثرية شعبه الساحقة سُنّية. وهو لن يكونَ سيداً ضمن الهلال المذكور بل تابعاً، لأنّ السلطات الدينية والسياسية بإيران والعراق ولبنان أكثر شيعيةً منه. وما يزال الإيرانيون يبذلون جهوداً هائلةً لاستئلاف العلويين ضمن التشيع. وفي الأعوام الماضية نجح النظام السوري في استئلاف كلّ التيارات الأُصولية السنية بحجة أنه "بؤرة الجهاد" ضد الأميركيين وضد الإسرائيليين... وأخيراً ضد الشيعة! وما ظاهرةُ الزرقاوي ببعيدةٍ عن الأجواء التي كانت سائدةً في عامي 2006 و2007. بيد أنّ هذا الملفَّ استُنفد أيضاً، وصارت له آثارٌ سلبيةٌ على النظام نفسِه، مثلما شاهدْنا في الصراع الأخير بين العراق وسوريا على تفجيرات الأربعاء الأسود! ثم إنه في حالتي "الهلال الشيعي" والأصولية الجهادية؛ فإنّ الإيرانيين هم أصحابُ المشروع، وسوريا إن أحبّت الدخولَ لن تكونَ إلاّ جندياً في جيش الوليّ الفقيه. وهكذا، مع التراجعات وفقدان الوظائف السابقة، تظهر مخاوفُ عميقةٌ لدى النظام السوري: كان ذاك النظام مقبولا وذا وظيفةٍ عندما كان صدّام حسين السنّي حاكماً بالعراق ذي الأكثرية الشيعية؛ أمّا الآن فإنّ الأكثرية الشيعية تحكم العراق، فلماذا لا تحكم الأكثرية السنية في سوريا؟ واستناداً إلى تلك الهواجس، عمل النظام السوري بشكلٍ محموم لتدعيم استقراره واستمراره خلال الأعوام الثلاثة الماضية: استئناس السنة بالداخل السوري على مستوى المجتمع المدني، ومستوى أجهزة النظام، وتوثيق العلاقات مع تركيا السُنّية إلى حدٍ بعيد، ومحاولة التصالُح مع الولايات المتحدة بكلّ سبيل ولو من طريق اختيار تركيا وسيطاً للتفاوُض مع إسرائيل، وإظهار التسهيل في ملفّ النزاع الشرق أوسطي، وأخيراً تحسين العلاقات مع العرب وفي مقدمتهم السعودية والأردنّ ومصر. بيد أنّ السياسات الجديدة هذه، ما كان يمكن أن تمرَّ أمام أنظار طهران بدون ردود فعل. وبخاصةٍ أنّ النظام السوريَّ لا يستطيع بالعُمق أن يُسالم النظام الجديد بالعراق، لأنه البديلُ له. لذلك كان مقتل عماد مغنية الضابط الأمني البارز في "حزب الله"، بدمشق. وبروز التبايُن والتنافُس في لبنان بين سوريا و"حزب الله"، وانزعاج الإيرانيين من تدخلات النظام السوري بالعراق. كما انزعاجهم من المفاوضات السورية غير المفهومة مع الأميركيين، ومع الإسرائيليين من قبل. وعلى تلك التذمرات الإيرانية جاءت إجابةُ الأسد الصاعقة عشية اندلاع النزاع بينه وبين العراق: عرض تحالُف مع إيران يضمهما إلى جانب تركيا والعراق! ومما لا شكَّ فيه أنّ الإيرانيين اعتبروا العرض -كما يقول اللبنانيون- "تغطية للسماوات بالأَبَوات"! وهذا فضلا على عدم واقعيته، باعتبار أنّ الأتراك والإيرانيين لا يجمعهم غير مشتركٍ واحدٍ هو الملفّ الكردي! وما أن غادر بشار الأسد طهران حتى انفجر النزاع العراقي السوري. وجاء الإيرانيون والأتراك بقصد التوسُّط. لكنّ الإيرانيين انسحبوا، في حين بقي الأتراك في المنطقة يتحركون! لقد انزعج العربُ بالفعل لاحتلال العراق، كما انزعجوا لما أصاب السنة فيه، رغم أنّ الأنظمة جميعاً ما كانت تحبُّ صدَّاماً أو تحتمله! وجرى التعبير عن ذلك بوسائل مختلفة، أهمُّها التأخُّر في الاعتراف بالنظام الجديد، وإقامة علاقاتٍ معه، ومساعدة بعض الأطراف السنية (غير المسلَّحة) المعارضة للأميركيين وللنظام العراقي الجديد. وما تزال أطرافٌ عربيةٌ وكردية تتهم رئيس الوزراء العراقي الحالي بالطائفية والتحزُّب. لكنّ الحَكَمَ بالفعل في التعامُل مع العراق من جانب العرب في الحاضر والمستقبل القريب؛ يتمثّلُ في تعامُل النظام مع مكوِّنات الشعب العراقي بالداخل، ومن ضمنهم السنة والأكراد. كما يتمثّل في الموقف من التدخلات الإيرانية الأمنية والسياسية. فالذي لا شكّ فيه أنّ الحملة الحالية من جانب العراق على سوريا لا تخلو من عوامل ودوافع إيرانية لإزعاج النظام السوري، ودفْعه للتوقف عن مُغازلة السُنة (أتراكاً وبالداخل)، ومُغازلة المتطرفين الأُصوليين، ومغازلة الأميركيين. أما من جانب العرب؛ فإنّ استقلالية النظام العراقي تجاه طهران، وإحلاله لحكم القانون بالداخل؛ بغض النظر عن ظروف الأكثرية والأقلية، هي التي سوف تدفع محيطه العربي في المدى المنظور إلى التعامُل الطبيعي مع أهل النظام الجديد. ذلك أنّ المهمَّ ليس الهوية الطائفية؛ بل السياسات الداخلية والخارجية. وإلاّ فكيف تحمَّل العربُ حُكْمَ أقليةٍ في سوريا طوال أكثر من ثلاثين عاماً؟!