"الهمس" في القضايا المجتمعية
أحدثت الحملة الإعلامية لصحيفة محلية حول قضية التحرش الجنسي بالأطفال في الإمارات ردود أفعال قوية لدى العديد من شرائح الرأي العام المحلي، مواطنين ومقيمين، بين مؤيد ورافض لأسلوب التناول. الرافضون اعتبروا أن ما يتم نشره هو نوع من فضح المجتمع أكثر من كونه أسلوب علاج.
أبسط ما يمكن قوله في الرد على هذا الرأي أن هناك عجزاً في فهم دور الإعلام في المجتمع، باعتبار أن الحديث عن مجتمع كل أفراده نزيهون هو نوع من دفن الرؤوس في الرمال، وباعتبار أن الإعلام لا يفتعل القضايا وإنما يعكس ما هو موجود في المجتمع، وترتقي مثل هذه المعالجة الإعلامية إلى الواجب الوطني أحياناً، وليس كما يعتقد البعض بأن دور الإعلام يسيء إلى صورة مجتمعنا في الخارج.
حجة من يرفض المعالجة الإعلامية أن ذلك عمل فضائحي، وأن تناول قضايا مثل التحرش الجنسي والفساد المالي لبعض المسؤولين إنما هو نوع من السماح للآخرين بالشماتة بمجتمعنا الذي له خصوصيته.
أعتقد أن طريقة "الهمس" والتكتم في إصلاح اعوجاج اجتماعي استغلها البعض ليخدم رغباته الشخصية، وربما تلك الخصوصية هي مبرر كاف للمناقشة العلنية إعلامياً بعد أن سُجلَ مؤخراً العديد من قضايا الفساد؛ لأنها في حقيقة الأمر تمثل عامل ردع للكثيرين ممن تفننوا في استغلال تكتم المجتمع على أفعالهم. وربما هذه الطريقة الإعلامية للعلاج ستعمل على التقليل من الإجراءات القانونية والتعميمات التي تحاول أن تمثل رادعا للمخالفين دون فائدة.
أذكر أنه دار بيني وبين أحد الأصدقاء مثل هذا النقاش قبل خمسة أشهر تقريباً فيما يخص قضية "نوف"؛ تلك الفتاة التي تجرد فيها الأب من كل المشاعر الإنسانية وسمح لزوجته بتعذيب ابنته من أم ثانية دون رحمة انتقاماً من أمها، فقد رفض صديقي طريقة تناول القضية إعلامياً، واعتبر أن ذلك إساءة لمجتمع الإمارات، أو على الأقل يجب إبراز تلك الحالة على أنها حالة وحيدة في الإمارات، بل ورفض أن يكون هذا الشخص إماراتياً باعتبار أن الإماراتي لا يمكن أن يكون بهذه السلوكيات. أتفق معه على أن الفساد، الأخلاقي والمالي، هو حالة استثناء في الإمارات والقلة من يفعلها، لكن رفض الاعتراف بوجودها تماماً أمر غير واقعي.
المهم أن يعرف الجميع أنه لا يوجد مجتمع مثالي بلا تجاوزات؛ فهذه سلوكيات بشرية ومن المهم أن يعرف الجميع أن المجتمع الإماراتي لم يعد يقتصر على أبناء الإمارات؛ فهناك العديد من الجنسيات وبالتالي تعدد الثقافات، ولابد أن تحدث تأثيرات متبادلة، من هنا يكون الحديث عن عدم وجود تجاوزات مجتمعية كلاماً يحتاج إلى تعديل في أذهان الكثيرين، إذا أردنا معالجة بعض الأخطاء والسلوكيات في المجتمع.
والغريب في الأمر ذلك الربط بين تصرفات أشخاص في مجتمع وبين سمعة ذلك المجتمع، فإساءة أي شخص نتيجة لسلوكه الشاذ إنما هي إساءة لنفسه وليس إساءة لمجتمع، فهو يمثل نفسه ولا يمثل مجتمع الإمارات.
أسلوب "الهمس" الذي يفضله الكثيرون في تناول قضايا كهذه، لا يخدم المجتمع بقدر ما يخدم المجرمين والفاسدين، كما أن مسألة عدم نشر اسم المجرم هو أمر آخر يساعد على ارتكاب الجريمة والتستر عليها. لذا ينبغي ترك الإعلام يعري ويكشف، فهذا دوره الرقابي كسلطة رابعة في المجتمع تحاسب وتردع من اعتادوا تجاوز القانون، ليفكروا مرات قبل الإقدام على أي خطوة إجرامية.