يهدف كتاب "قاموس الأمن الدولي"، لمؤلفه بول روبنسون، إلى تزويد القراء بتعريف للمفاهيم يسهل استيعابه، وبالقضايا والأطراف المؤثرة والمؤسسات الرئيسية في عالم الأمن الدولي. لكنه مع ذلك ليس قاموساً بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنه لا يقتصر على إعطاء تعريفات، فكل مادة فيه تعطي القراء المعلومات الأساسية التي يحتاجونها لفهم أهمية الموضوع المطروق. وبطبيعة الحال فإن جميع مواده تتعلق بالأمن، لكن ماذا يعني الأمن؟ إنه يعني ضمناً عدم وجود تهديد، أي إلى الوضع المثالي الذي يمكن أن تجري معه الأمور في جزء من العالم دون أن تؤثر سلباً على الناس في باقي أجزاء العالم الأخرى. ومع ذلك فثمة خلاف مرير بين الخبراء حول مفهوم الأمن الدولي ونطاقه، وهو خلاف يستعرضه المؤلف ويناقشه بإسهاب في مقدمة الكتاب، حيث يوضح أن جميع تعريفات الأمن تتلخص في بعض التعديل والتغيير على كلمات عبارة "عدم وجود تهديد". ولأن المؤلف ذو خلفية عسكرية، حيث خدم ضابطاً في الجيشين البريطاني والكندي، فمن شأن تلك الخلفية أن تجعل معرفته بالأمن الدولي ذات توجه عسكري. لكنه يستعرض أهم التغيرات التي طرأت على مفهوم الأمن الدولي، موضحاً أنه بينما كانت أبرز مشكلة بالنسبة لذلك المفهوم تتمثل في الحيلولة دون نشوب حرب بين الدول، فقد شهدت السنوات العشرون الأخيرة دعوات لإعادة تفسير الأمن الدولي، بحيث يشمل قضايا مثل أمن البيئة والأمن المجتمعي والأمن الاقتصادي... بما ينقل النقطة المرجعية من مستوى الدولة القومية إلى مستوى الفرد. وأدى ذلك التغير إلى ظهور مفهوم "الأمن الإنساني"، كمقاربة جديدة ترى أن الفرد، وليس الدولة، ينبغي أن يكون الشغل الشاغل لسياسات الأمن الدولي؛ لأن الدول إنما وجدت لخدمة الأفراد فحسب وهي ليست غاية في حد ذاتها. كما أنه إذا أمكن تحسين حال الأفراد، بالحد من الفقر وضمان حقوق الإنسان وغير ذلك، فإنه سيصبح بالإمكان معالجة الأسباب الجذرية للصراع الدولي وجعل العالم في عمومه أكثر أمناً. وهكذا نجد أن الأمن القومي يعتمد، في نهاية المطاف، على الأمن الإنساني في جميع أنحاء العالم. وإلى ذلك يرصد المؤلف بعض التغيرات الأخرى التي مست مفهوم الأمن التقليدي، أولها يرتبط بحقيقة أنه لم يعد باستطاعة دولة ما، في عالم اليوم، الدفاع عن نفسها تماماً بالاعتماد على إمكانياتها الذاتية وحدها. وثانيها ظهور أطراف ليست دولا لكنها أصبحت مؤثرة في الأمن الدولي؛ مثل الهيئات العالمية والمنظمات الإجرامية والإرهابية العابرة للحدود. أما المتغير الثالث الجديد فهو أن الدول نفسها غالباً ما تكون مصدر التهديدات الرئيسية لأمن الأفراد، وليست الحامي الرئيس لهم؛ فالناس في أصقاع كثيرة من المعمورة يخشون دولتهم أكثر مما يخشون هجوم دولة أجنبية عليهم. وبذلك يميل المؤلف إلى القول إن مفهوم الأمن التقليدي بالمعنى العسكري آيل إلى الزوال، خاصة أن الحرب والإرهاب معاً لا يقتلان في الواقع إلا عدداً ضئيلا من الناس، بينما نجد أن الفقر والمرض والتدهور البيئي والفساد السياسي... عوامل تهدد رخاء عدد أكبر من الناس بطريقة واضحة. ومع ذلك يحذر المؤلف من أن توسيع مفهوم الأمن يجعله مفهوماً شاملا إلى درجة يغدو معها عديم المعنى، ومن ثم تصبح "الأمننة"، أي إضفاء الطابع الأمني، مشكلة بحد ذاتها. ورغم تحفظ المؤلف على التعريفات التقليدية للأمن، ثم تحفظه على التحفظ، فإن السياسات الأمنية تستمر في تركيزها على قضايا مثل: منع خوض الحروب وردعها، ومكافحة الإرهاب، ومحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل... ومن ثم نجد هذه القضايا ومثيلاتها تهيمن على القاموس. ولكي يسهل استخدام القاموس، رتب المؤلف مواده هجائياً في تسعة عناوين تتناول الأمن وأنواعه، والمنظمات الإرهابية الرئيسية، وقضايا بناء السلام ومنع الصراعات، والمعاهدات الدولية الرئيسية، ومبادرات مراقبة التسلح ومنع الانتشار النووي، وأجهزة الأمن الداخلي والاستخبارات؛ وأخيراً المنظمات الدولية والقارية والإقليمية. وأخيراً يؤكد المؤلف أنه سعى قدر الإمكان إلى التركيز على الأمور ذات الصلة القوية بالواقع المعاصر؛ إذ لم يشر إلى المعاهدات التاريخية التي لم تعد مطبقة، ولم يكن الإلمام بها ضرورياً لفهم قضايا راهنة ومعاشة. محمد ولد المنى الكتاب: قاموس الأمن الدولي المؤلف: بول روبنسون الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2009