زرهوني: من التأسيس الأمني إلى انتظارات "العهدة الثالثة"
في تعديل حكومي كان مرتقباً في الجزائر منذ عدة أشهر، أبعد الرئيس بوتفليقة خمسة وزراء من حكومة أحمد أويحيى السابقة، أبرزهم وزير النفط والمناجم الذي شهدت شركة "سوناطراك" في عهده، وهي العمود الفقري للاقتصاد الجزائري، سلسلة من الإضرابات. لكن أكثر ما لفت الانتباه في هذا التعديل هو نقل الرجل القوي يزيد زرهوني، من منصبه كوزير للداخلية والجماعات المحلية، ليصبح نائب الوزير الأول أويحيى الذي احتفظ بموقعه، مما فتح الباب لتساؤلات كثيرة حول دلالة هذا التعيين، وعن الهدف منه في الوقت الحالي تحديداً!
ويأتي التعديل الوزاري في عمومه كتعبير عن الرغبة في إيجاد حكومة بدم جديد لتنفيذ "البرنامج الرئاسي"، ولإنجاز مشاريع العهدة الثالثة لبوتفليقة، وبغية إنجاح رهانات اقتصادية طموحة يصل حجمها التمويلي أكثر من 286 مليار دولار أميركي. أما تعيين زرهوني بصفة خاصة في منصبه الجديد، فيمثل تطبيقاً للتعديلات الدستورية التي أجراها بوتفليقة في نوفمبر 2008، وسمحت له بأكثر من ولايتين رئاسيتين، كما منحته صلاحية القيام بتعيين نائب أو نواب لرئيس الحكومة الذي أصبح "وزيراً أول".
ويعتقد أنه غداة ذلك التعديل كان بوتفليقة ينوي تعيين عبدالعزيز بلخادم زعيم "جبهة التحرير" (حزب الأغلبية)، وحليفه أبوجرة سلطاني رئيس "حركة مجتمع السلم"، كنائبين للوزير الأول، لكنه رأى فيما بعد أن تعيين الرجلين سيكون مدعاة للفرقة داخل معسكر مؤيديه، فآثر تعيين الجنرال زرهوني، لأنه رجل عملي صرف، ليس طرفاً مباشراً في التجاذبات السياسية القائمة.
لكن اغتيال رجل الأمن الأول في البلاد "على تونسي"، والتداعيات التي أثارها موضوع جواز السفر وبطاقة الهوية الجديدين، علاوة على بيان "هيومن رايتس ووتش"، الصادر قبل ثلاثة أسابيع، تنديداً بـ"منع المسيرات وتوقيف المتظاهرين في الجزائر"... كل ذلك عرّض وزارة الداخلية لكثير من الانتقادات، ومن ثم قيل إنه تقرر نقل زرهوني منها حرصاً على سمعته! كما يعتقد البعض أن تعيين زرهوني في منصبه الجديد، إنما هو تمهيد لتتويجه وزيراً أول خلفاً لأويحيى الذي اتسمت علاقته مع بوتفليقة خلال السنوات الماضية ببعض التذبذب صعوداً وهبوطاً. وإن لم يوجد تعارض بين التخمينين الآنفين، ففيهما ما يشير إلى أهمية زرهوني الوازنة ودوره المؤثر في مؤسسة الحكم الجزائرية. فهو من جيل الثورة، وأحد آخر مؤسسي جهاز الأمن الجزائري ممن لا زالوا على قيد الحياة، ولم يسبق له أن خدم في الجيش الفرنسي خلافاً لجنرالات آخرين، كما أنه أحد أكثر المسؤولين الجزائريين دراية بالملفات الداخلية -الحساسة والمهمة- حالياً.
ولد نور الدين يزيد زرهوني عام 1937 في تونس، وقضى جزءاً من طفولته في فاس بالمغرب، قبل أن يعود إلى موطنه الأصلي، مدينة ندرومة، في ولاية تلمسان بالغرب الجزائري. وفي سن الثامنة عشرة انضم إلى "جبهة التحرير الوطني"، وأدخله عبدالحفيظ بوصوف الذي كان نائباً لقائد المنطقة الخامسة في وهران ومكلفاً بناحية تلمسان، إلى "وزارة التسليح والعلاقات العامة"، وهي الجهاز الاستخباراتي لـ"جيش التحرير الوطني". وبفضل كفاءته في عالم مكافحة الجاسوسية، أصبح زرهوني أحد المسؤولين الرئيسيين في الاستخبارات الجزائرية؛ وشارك في تأسيس أول مدرسة ثورية للإطارات السياسية والعسكرية، وكُلف بإنشاء "دائرة التوثيق والبحث"، كما حضر مفاوضات "إيفيان" سنة 1961. وبعد الاستقلال أصبح مسؤولا عن جهاز "عمليات الأمن العسكري"، ومكلفاً بتطوير قطاع الاستخبارات والعلاقات الخارجية في وزارة الدفاع. وفي عام 1972 عينه هواري بومدين رئيساً لـ"مصلحة التحليل والتوثيق"، ثم أصبح في عام 1975 مساعداً لقاصدي مرباح، مدير عام مصالح الأمن والاستخبارات الجزائرية في حينه. وبعد إقصاء مرباح، قام الشاذلي بن جديد بتعيين زرهوني على رأس الدائرة المركزية لأمن الدولة. لكن الشاذلي عاد وعين مكانه "لكحل عياط"، ليبدأ زرهوني مرحلة أخرى من حياته المهنية، هي مرحلة العمل الدبلوماسي. فقد عيّنه الشاذلي سفيراً للجزائر في واشنطن، ثم سفيراً في طوكيو، ثم في بنما، وأخيراً في مكسيكو بالمكسيك.
وما أن جاء بوتفليقة إلى الحكم عام 1999 حتى أعاده إلى عالم الأمن ومكافحة الجاسوسية، حيث عينه وزيراً للداخلية والتعاونيات المحلية، وهو المنصب الذي ظل يشغله حتى يوم الجمعة الماضي. وخلال هذه السنوات، أشرف زرهوني على تنفيذ سياسة بوتفليقة الخاصة بإرساء المصالحة الوطنية الداخلية، كما رسمها "قانون الوئام المدني" الذي أقره استفتاء 1999، و"ميثاق السلم والمصالحة الوطنية" الذي زكاه هو أيضاً استفتاء أجرى في عام 2005. وفي الوقت نفسه واصل زرهوني سياسة القبضة الأمنية ضد الجماعات المسلحة، واستطاع أن يحقق نجاحات ملحوظة عليها. ومن إنجازاته أيضاً دعم ودمج مجموعات الدفاع الذاتي، ورقمنة سجلات الحالة المدنية... مما زاد ثقة الرئيس فيه، لاسيما بعد أن سانده في صراعات تحت الطاولة بين الرئاسة وجنرالات المؤسسة العسكرية.
ولذلك التحالف بين الرجلين أسبابه؛ فهما معاً من وجوه المرحلة لالبومدينية، فبوتفليقة كان من فريقها السياسي، وزرهوني كان من فريقها الأمني. كما ينتميان معاً لمنطقة الغرب، حيث يُنظر إلى علاقتهما القوية كنوع من "العصبية الغربية" إزاء هيمنة كوادر الشرق التاريخية على أجهزة الدولة، أو لتحجيم نفوذ أويحيى الذي يمثل منطقة القبائل، دون أن يعني ذلك إمكانية التخلص منه تماماً بإحلال زرهوني مكانه، لأن التوازنات الجهوية والعرقية من هذا النوع أصبحت تفرض نفسها بقوة على أي صيغة للحكم في الجزائر. لذلك سيتعين على الرجلين، أويحيى وزرهوني، التعايش في ظل التركيبة الجديدة للسلطة التنفيذية كجهاز برأسين.
وعلى ضوء النص الدستوري الذي يحدد مهام صاحب منصب نائب الوزير الأول، يُتوقع أن يُعنى زرهوني في منصبه الجديد بمساعدة أويحيى في متابعة وتنفيذ مشاريع التنمية في قطاعات التعليم، والتكفل الطبي، والتطوير الإسكاني، والمياه والطاقة... علاوة على ملفات مراقبة صرف المال العام، وقد أصبح بعضها فعلياً بين يدي زرهوني ويتعلق بشركات أجنبية يعتقد أنها تورطت في "فضائح مالية" داخل البلاد في قطاعات الطاقة والأشغال العمومية. وذلك أحد الانتظارات المهمة في الجزائر منذ إعادة انتخاب الرئيس بوتفليقة لعهدة ثالثة!
محمد ولد المنى