منذ أن أتى "الليكود" إلى الحكم في إسرائيل، رُفع شعار "الدولة اليهودية"، دولة دينية، هويتها الدين. وأحياناً يتحول الدين إلى قومية فتصبح دولة قومية يهودية. وأصبحت الآن شرطاً في المفاوضات المباشرة التي بدأت أوائل الشهر الماضي، ويقال على الفلسطينيين الاعتراف بها. والكل صامت "مجبر أخاك لا بطل". والقيم العلمانية هي أزهى ما يفتخر به الغرب في عصوره الحديثة التي ناضل من أجلها وسقط دونها "الشهداء". وهي قيم العقل والعلم والحرية والعدالة والتقدم وحقوق الإنسان. فلا شيء يعلو فوق العقل. والدين نفسه عقائد وشعائر وشرائع ونصوص تخضع عند الغربيين لقواعد النقد العقلي كما كتب كانط "الدين في حدود العقل وحده". ولا شيء أعز على الإنسان من حرية الفكر. وكرامة الإنسان في إحساسه بالعدالة وعدم ظلم أخيه الإنسان باسم السلطة الدينية. والتقدم مرهون بمركزية الإنسان في الأرض. وحقوق الإنسان تأتي قبل واجباته وقبل حقوق السلطة الدينية. رفضت العلمانية الغربية سلطة الكنيسة التي تتحدث باسم الدين. وأعادت تفسير الدين من منظور إنساني خالص، وفصلت بين الدين والدولة. وهي ما زالت تفخر بالعلمانية حتى الآن. وتبناها المثقفون العرب في أوائل عصر النهضة. ونشأ تيار علمي علماني في الفكر العربي الحديث يقلد التجربة الغربية ويعتبرها نموذجاً عامّاً لكل الشعوب. وانتسب إليه شبلي شميل ويعقوب صرّوف وفرح أنطون ونقولا حداد وسلامة موسى وعلي عبدالرازق من الجيل الماضي، وانضم إليهم زكي نجيب محمود، وعبدالرحمن بدوي وفؤاد زكريا ومحمود أمين العالم، وغالي شكري في جيلنا. وما زال الكثير من الأحياء ينتسبون إليه. جعل همه الدفاع عن القيم العلمانية ونقد الجماعات الإسلامية واتهامها بالتطرف والتخلف والإرهاب، وخلق تعارض بين الدين والعلمانية نقلاً عن الغرب، بل ورفض كل محاولات الإصلاح التي تحاول تفسير الدين تفسيراً عقلانيّاً إنسانيّاً تقدميّاً منذ الأفغاني ومحمد عبده، أو التي تقرأ أحدهما بعين الآخر كما فعل الطهطاوي وعلي مبارك وطه حسين ومحمد حسين هيكل والعقاد. وأصبح التيار في تزايد مستمر. والآن يرفع شعار "الدولة اليهودية". واليهود الغربيون ممن ساهموا في تأسيس العلمانية الغربية مثل اسبينوزا ومندلسون باسم التنوير اليهودي، وكارل ماركس باسم النضال الاجتماعي والسياسي لتحقيق الحرية والعدالة. وكان بعض من الصهيونيين الأوائل مثل هرتزل صاحب كتاب "الدولة اليهودية" من العلمانيين. بل إن التيار العلماني داخل إسرائيل الآن له الأغلبية على التيار الديني. واليهودية ما هي إلا تبرير سياسي للصهيونية ولإعطاء شرعية للدولة، شرعية لا تؤمن الدولة نفسها بها ولكنها تبرر احتلالها منذ 1948 واستيطانها منذ 1967. والآن أين نقد الغرب للدولة الدينية، مسيحية أو إسلامية؟ لماذا يتوقف عن نقد الدولة اليهودية، ويتخلى عن قيمه العلمانية؟ لماذا يتنازل الغرب عن تراثه في العصور الحديثة التي استغرقت ستة قرون، من القرن الخامس عشر عصر الإصلاح الديني، والسادس عشر عصر النزعة الإنسانية، والسابع عشر عصر العقلانية، والثامن عشر عصر التنوير، والتاسع عشر عصر العلم والتقدم، والعشرين عصر حقوق الإنسان؟ ولكن، أين نقد العلمانيين الغربيين للدولة اليهودية باعتبارها معادية للقيم العلمانية، العلم والعقل والحرية والعدالة والتقدم وحقوق الإنسان؟ إنه المعيار المزدوج المعروف في السلوك الغربي. هذه القيم له وليست لغيره. تتكسر على حدود أوروبا الجغرافية. العقل والعلم والحرية والعدالة والتقدم وحقوق الإنسان له، والخرافة والجهل والفقر والتخلف وانعدام الحقوق لغيره! وإسرائيل بالنسبة للغرب جزء منه ولكنها مستثناة من قيمه عندما تتعامل مع الشعوب المجاورة. وهي مستثناة من قيمه أيضاً عندما تتعامل مع نفسها لأنها خارج القانون، "الشعب المختار" الذي لا يحاسبه أحد. والدولة اليهودية التي تأسست في القرن العاشر قبل الميلاد أي منذ ثلاثين قرناً انهارت بعد السبي البابلي ولم تعد لها قائمة. إنما النزعة الاحتلالية اليوم اتحدت مع العنصرية وشكلت الصهيونية. الغاية من الدولة اليهودية طرد العرب المقيمين بإسرائيل وهم يشكلون تقريباً خمس السكان وفي تزايد مستمر على رغم أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. لا يتمتعون بحقوق المواطنة، يعيشون في "جيتو" عربي. تهدم منازلهم، ويُقبض على قادتهم. والغاية منها أيضاً منع اللاجئين الفلسطينيين، مسلمين أو مسيحيين، من العودة إليها لأنهم غير يهود، ولذات الغرض يجري تدمير كل الآثار الإسلامية والمسيحية في فلسطين بزعم اعتبارها قائمة على آثار يهودية. والعقلية الاستئصالية العنصرية نازية مضادة تقوم على مزاعم النقاء العنصري وتصفية الأقليات. وقد عانى اليهود من النازية والنقاء العنصري الجرماني. وهم بالدولة اليهودية الآن يمارسون العنصرية نفسها ضد العرب، مسلمين ومسيحيين، سكان فلسطين الأصليين. وهو أيضاً سلاح ذو حدين لأنه في موجة تصاعد اليمين الأوروبي والنازية الجديدة يمكن التخلص من يهود أوروبا وإرسالهم إلى الدولة اليهودية التي تمثلهم، أربعة عشر مليوناً، يهود العالم، يتحولون إلى الدولة اليهودية التي لا تكفيهم أرضاً ولا غذاء ولا عملًا فتمتد إلى دول الجوار وتبتلعها بدعوى المجال الحيوي الضروري لأمن الدولة اليهودية، وعندها قد تتحول سوريا والأردن ولبنان ومصر من دول المواجهة إلى دول التوسع للمجال الحيوي الإسرائيلي. إن مشروع "الدولة اليهودية" عودة إلى العصور الوسطى والإمبراطوريات المسيحية والجرمانية. هو مشروع عنصري ضد الإنسانية وضد التقدم وضد قيم التنوير اليهودي ذاتها عند اسبينوزا في القرن السابع عشر، ومندلسون في القرن الثامن عشر. وهي عودة إلى الحروب الدينية التي كانت غطاء للتوسع الاستعماري. الدولة اليهودية استمرار للاستعمار الاستيطاني الذي بدأ منذ أوائل القرن الماضي واستمر حتى بلغ الذروة بعد 1967. لا تجابهه دولة مسيحية أو إسلامية بل حركة تحرر وطني لشعب فلسطين حتى وإن كانت موازين القوى مختلة في صالح الاستيطان. وإذا كانت إسرائيل تقدم "الدولة اليهودية" كمشروع قومي لها فإن العرب يقدمون "يهود الأندلس" الذين يمثلون العصر الذهبي في تاريخ اليهودية مشروعاً بديلاً حيث تعايش اليهود والمسيحيون والمسلمون في حضارة واحدة تقوم على قيم التنوير بلا حدود جغرافية أو عرقية أو دينية، حضارة ابن رشد وابن ميمون.