الطاعون الأبيض... وثورة التشخيص القريبة
على رغم التطورات الهائلة التي شهدها تشخيص وعلاج مرض السل أو التدرن منذ بداية القرن الماضي، إلا أن هذا المرض -الذي يعرف أحياناً بالطاعون الأبيض- لا زال يمثل إحدى أخطر المشاكل الصحية التي تواجه أفراد الجنس البشري في القرن الحادي والعشرين، على صعيد معدلات الإصابة، والوفيات الناتجة عنها. ففي العام الماضي مثلًا، أصيب قرابة العشرة ملايين شخص بالصورة النشطة للمرض، وتوفي 1.7 مليون بسبب مرضهم. وبوجه عام، تقدر المنظمات الصحية الدولية، وقوع إصابة جديدة بميكروب السل بمرور كل ثانية، وهو ما يترجم في النهاية إلى ملياري شخص مصابين حاليّاً بهذا الميكروب حول العالم، أو ما يعادل ثلث أفراد الجنس البشري. ولحسن الحظ -أو لسوئه حسب اختلاف وجهة النظر- يلقى مليونان منهم فقط حتفهم سنويّاً، نتيجة كون تسعين في المئة ممن يصابون بالميكروب، يظل المرض لديهم كامناً، ولا يتطور بالدرجة التي تتسبب في موتهم. وحتى بين من يظهر المرض عندهم بشكله الكامل يلقى أفراد نسبة بسيطة فقط حتفهم، ولكن على رغم ضآلة هذه النسبة، إلا أنها تترجم أيضاً إلى ملايين الوفيات.
والسل كما هو معلوم مرض معدٍ شائع، وقاتل في كثير من الأحوال، ويتسبب فيه نوع خاص من البكتيريا يصيب غالباً الرئتين، وإن كان يمكنه أيضاً الانتقال إلى أجزاء أخرى من الجسم. وتقع العدوى من خلال الرذاذ الناتج عن سعال، أو عطس، أو بصق الشخص المصاب بالحالة النشطة من المرض، حيث يتسبب المريض الواحد في انتقال الميكروب إلى ما بين عشرة إلى خمسة عشر شخصاً آخر سنويّاً. وإن كانت معظم حالات العدوى لا تؤدي إلى ظهور أية أعراض، بفضل سيطرة جهاز المناعة على الميكروب، وحصاره داخل الجسم. وكما ذكرنا سابقاً، يخرج الميكروب عن سيطرة جهاز المناعة في عشرة في المئة من الحالات، ليظهر بشكله الكامل، وهي الحالة التي لو لم يتم علاجها بالشكل المناسب، فإنها تؤدي في النهاية إلى وفاة نصف المرضى.
ويعود مرد هذا الوضع العالمي الصحي المزري فيما يتعلق بدرجة انتشار ميكروب السل، وفداحة الثمن الإنساني الناتج عنه، إلى عدة أسباب، ربما كان أهمها هو تفاقم عدد الحالات المصابة بالميكروب المقاوم للعقاقير والأدوية المستخدمة في العلاج، بالإضافة إلى صعوبة تشخيص الإصابة بالمرض، مما يعيق توجيه المصادر المالية الصحية -الشحيحة غالباً- بشكل أكثر فعالية وكفاءة. والسبب الأول، أي انتشار حالات الإصابة بالميكروب المقاوم للعقاقير يتضح بشكل جلي في تقرير صدر شهر مارس الماضي عن منظمة الصحة العالمية، حيث ذكر فيه أن واحداً من كل أربعة من مرضى السل في بعض مناطق العالم، مصاب بنوع من الميكروب، لا يمكن علاجه بالعقاقير القياسية أو الاعتيادية. فعلى سبيل المثال، في بعض مناطق روسيا، تكشف الفحوص المخبرية أن 28 في المئة من الحالات التي تم تشخيصها عام 2008، هي لإصابات بنوع من ميكروب السل مقاوم لعدة عقاقير. ومن منظور عالمي، يظهر التقرير الدولي لعام 2010، الخاص بانتشار ميكروب السل المقاوم لعدة عقاقير (MDR-TB) وفائق المقاومة (XDR-TB)، وقوع قرابة نصف مليون إصابة بهذه الأنواع الخطيرة من الميكروب عام 2008، حيث توفي ثلث المرضى حتى الآن بسبب فشل العقاقير المتاحة في علاج مرضهم.
والسبب الآخر حول الوضع الصحي العالمي لانتشار ميكروب السل هو صعوبة التشخيص، نتيجة كون التشخيص الأكيد للإصابة، يتم فقط من خلال الفحص المعملي لعينة من بصاق المريض. وهذا الأسلوب، الذي طور قبل أكثر من مئة عام، يستغرق ثلاثة شهور للحصول على نتائجه النهائية، بسبب البطء الشديد في سرعة نمو الميكروب في أطباق المعامل. ولذا فكثيراً ما يلجأ الأطباء لاستخدام صور الأشعة، أو إجراء فحص خاص من خلال الجلد، وهي الأساليب المعيبة، بسبب عدم قدرتها على تأكيد الإصابة، أو نفيها، بشكل قاطع. وهذا الوضع برمته من شأنه أن يتغير عما قريب، مع إعلان منظمة الصحة العالمية الأسبوع الماضي عن دعمها غير المحدود لفحص جديد، يمكنه تأكيد الإصابة بالمرض، أو نفيها، في غضون مئة دقيقة فقط، مقارنة بالشهور الثلاثة التي يحتاجها الفحص القديم، وبنسبة دقة تصل 98 في المئة. ويعتمد الفحص الجديد على التعرف على الحمض النووي الوراثي لميكروب السل، وقد تم تطويره من خلال شركة أميركية (Cepheid)، بالتعاون مع مؤسسة سويسرية خيرية (Foundation for Innovative and New Diagnostics)، مدعومة من مؤسسة "بيل وميلندا جيتس" الخيرية، وعملاق صناعة الأدوية "روش"، والمعنية بدعم الدراسات والأبحاث الرامية لاكتشاف طرق مبتكرة لتشخيص أمراض الفقر، مثل السل، والملاريا، ومرض النوم.
ونتيجة للدعم المالي الهائل الذي تلقته الشركة المصنعة لفحص السل الجديد من المؤسسات الدولية الخيرية العاملة في مجال الصحة العامة، تعتزم الشركة توفير الفحص لـ116 دولة من أفقر دول العالم، وبتخفيض مقداره 75 في المئة عن السعر الكامل الذي سيباع به الفحص في الدول الغنية، بحيث لا يزيد ثمنه النهائي عن 17 دولاراً للفحص الواحد، ومن خلال جهاز معملي يبلغ ثمنه 17 ألف دولار فقط، وهو ما من شأنه أن يحدث ثورة في جهود مكافحة ميكروب السل، ليس فقط من خلال تشخيص حالات الإصابة، بل أيضاً من خلال تحديد الحالات المصابة بالميكروب المقاوم للعقاقير والأدوية الطبية، وخلال مئة دقيقة فقط.