نجح فريق من علماء جامعة "كامبريدج"، بالتعاون مع علماء أحد المراكز الطبية البريطانية المتخصصة في أبحاث الجينات الوراثية (Wellcome Trust Sanger Institute)، في دمج اثنين من المجالات الطبية الحديثة، وبالتحديد مجال الخلايا الجذعية أو خلايا المنشأ، ومجال الهندسة الوراثية أو العلاج الجيني، بهدف تطوير أسلوب علاجي جديد، يمنح جميع المزايا التي يوفرها هذان المجالان، وبدون المشاكل والمضاعفات التي كانت تترافق مع كل منهما، وهو ما يبشر باختيار علاجي جديد للمرضى المصابين بأمراض تعجز الأساليب الطبية المتاحة حاليّاً عن علاجها. حيث يعتمد أسلوب العلاج الجيني على تغيير، أو إزالة، أو دمج جين وراثي، داخل الخلايا أو الأنسجة العضوية لعلاج مرض ما يكون غالباً ناتجاً من عيب في تركيب أحد الجينات الوراثية. ويعتبر دمج "جين" خارجي نشط في تركيبة المادة الوراثية للمريض لاستبدال "جين" معيب بسبب طفرة تعرض لها أكثر أساليب العلاج الجيني استخداماً، وإن كان أحياناً ما يستخدم هذا الأسلوب لمحاولة إصلاح العيب بشكل مباشر، أو تغيير وتبديل "الجين" بشكل يمنح صفات وخصائص محددة ومطلوبة. وعلى رغم أن هذا الأسلوب الطبي الحديث لا زال في مراحله الأولية إلا أنه طبق بدرجة من النجاح على بعض الأمراض. وتتركز الأبحاث الطبية حاليّاً في هذا المجال على الأمراض السرطانية، والأمراض الوراثية، مثل مرض "الهيموفيليا" أو سرعة النزيف، ومرض التليُّف الحوصلي للرئتين، وضعف وتشوه العضلات، و"أنيميا" الخلايا المنجلية، وهي الأمراض التي تنتج جميعها من عيوب وراثية جينية. ومثل غالبية المجالات الطبية الحديثة يواجه العلاج الجيني العديد من المعضلات الأخلاقية، والكثير من المشاكل التقنية، التي لا زال العلماء يسعون لإيجاد حلول عملية لها. وإحدى هذه المشاكل تكمن في حقيقة أن العديد من الأمراض التي تنتج عن خلل وراثي مثل أمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، ومرض الزهايمر، والتهابات المفاصل المزمنة، وداء السكري، هي نتيجة تأثير تراكمي لعيوب في عدد من الجينات، وليس في "جين" واحد، وهو ما يجعل علاج هذه الأمراض باستخدام العلاج الجيني عملية صعبة ومعقدة جدّاً، حيث يتطلب الشفاء منها إصلاح جميع العيوب في جميع الجينات المعيبة، على عكس الأمراض التي تنتج عن خلل واحد في "جين" واحد. وحتى في هذه الحالات لا يمكن اعتبار العلاج الجيني علاجاً يحقق الشفاء الدائم، نتيجة عملية الوفاة والإحلال الطبيعية التي تحدث في خلايا الجسم، مما يؤدي إلى فقدان الخلايا التي تم إصلاح العيب الوراثي فيها، واستبدالها بخلايا جديدة تحمل العيب القديم، وهي المشكلة التي يمكن حلها نظريّاً من خلال تكرار العلاج الجيني، واستبدال الجينات المعيبة في الخلايا الجديدة بجينات سليمة. وإن كان تكرار العلاج بهذا الشكل يحمل معه خطر تولد رد فعل مضاد من جهاز المناعة. فالمعروف أن عند إدخال أي جسم غريب -الجين السليم في هذه الحالة- إلى الخلايا والأنسجة، أن جهاز المناعة يسارع بمهاجمة الجسم الغريب والقضاء عليه، وهي الطريقة التي يدافع بها الجسم عن نفسه ضد الميكروبات والفيروسات وبقية الجراثيم التي تحاول غزوه. وعلى رغم أن هذه المشكلة قد تظهر في حالة استخدام العلاج الجيني للمرة الأولى، إلا أنها تتفاقم مع محاولة تكرار العلاج، حيث تزداد حساسية جهاز المناعة للجين الغريب، وتزداد قدرته على تدميره، مما يجعل فكرة تكرار استبدال الجينات المعيبة في الخلايا الجديدة بأخرى سليمة فكرة غير عملية. وهذه المشكلة بالتحديد هي التي يسعى علماء جامعة "كامبريدج" لحلها، من خلال استخدام الخلايا الجذعية أو خلايا المنشأ للمريض نفسه. ففي هذه الدراسة المثيرة التي نشرت في العدد الأخير من إحدى الدوريات العلمية المرموقة (Nature)، أخذ العلماء خلايا الجلد من حيوانات تجارب مصابة بمرض وراثي يؤدي إلى تليُّف وفشل الكبد إلى درجة تصبح معها زراعة كبد جديد هي الأمل الوحيد في البقاء على قيد الحياة. ولذا شرع العلماء في تحويل خلايا الجلد تلك إلى خلايا جذعية، أو الخلايا الأم، القادرة تقريباً على تكوين أي نوع من خلايا الجسم الأخرى. ولكن، مثلها مثل خلايا الكبد المعيبة، احتوت أيضاً هذه الخلايا على الجينات المعيبة. ولذا لجأ العلماء للعلاج الجيني لاستبدال الجينات المعيبة في الخلايا الجذعية ثم قاموا باستنباط خلايا كبد سليمة منها تحتوي على "الجين" السليم، لغرض الزراعة لاحقاً. ويمكن تلخيص ميزات هذا الأسلوب في الآتي؛ أولا: أنه يعتمد على خلايا مطابقة لخلايا المريض، ثانيّاً: أن الخلايا النهائية مستنبطة من خلايا جذعية مما يعفي الأطباء من الحاجة لتكرار العلاج الجيني، حيث تم في هذه الحالة إصلاح "الجين" المعيب من المنشأ، وليس مجرد استبداله بجين خارجي. ومثل هذه الميزات تجعل الدمج بين مجال أبحاث الخلايا الجذعية، ومجال العلاج الجيني، الاختيار الأفضل مقارنة بزراعة الكبد الباهظة التكاليف، التي تضطر المريض لتعاطي الأدوية والعقاقير المثبطة لجهاز المناعة مدى الحياة لتجنب رفض الكبد المزروع، بالإضافة طبعاً إلى ندرة ما هو متوفر من أكباد صالحة للزراعة من الأساس. وإن كان يعيب هذا الأسلوب الجديد أنه لن يكون رخيص الثمن أو زهيد التكلفة هو الآخر بالإضافة إلى أنه لا زال يحتاج إلى سنوات من الأبحاث والدراسات لتحديد مدى سلامته وفعاليته للاستخدام على البشر.