لم يكن الكاتب والمفكر الفرنسي بيرنارد هنري ليفي مجرد شاهد عيان على الثورة الليبية ومتابعاً لها، بل كان الرجل الذي لعب دوراً كبيراً في تسويق الثورة لدى الرئيس الفرنسي، كما اضطلع بمهام حاسمة سرعت وتيرة الثورة وأمنت للثوار المساعدة والاعتراف. هذا الدور المحوري لمفكر فرنسي عُرف بدفاعه عن حق التدخل الإنساني ووقوفه، شأن الكثير من المثقفين مع قضايا متعددة حول العالم، يوثقه في كتابه الصادر مؤخراً، "الحرب دون أن نحبها... مذكرات كاتب في قلب الربيع الليبي"، حيث يغوص في تفاصيل الثورة الليبية ليس بعين الأكاديمي أو الدارس للثورة ومطالبها، بل كأحد الذين واكبوا مراحلها لحظة بلحظة وساهموا في صنع بعض نجاحاتها. فخلافاً لما ألفناه من معظم المثقفين الذين يكتفون عادة بتدبيج خطابات التأييد للقضايا العادلة، والظهور على شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد للتنظير، قرر ليفي منذ الوهلة الأولى الانحياز إلى الثورات العربية والوقوف إلى جانب مطالبها في الحرية والكرامية والديمقراطية. لكن اللحظة الفارقة بالنسبة لليفي، والتي دفعته للانخراط الفعلي في الثورة الليبية والمنافحة عن أصحابها، كانت وليدة الصدفة، فخلال زيارة قام بها إلى ميدان التحرير في مصر، بعد نجاح الثورة المصرية، وبينما كان ينتظر في مطار القاهرة للعودة إلى فرنسا، هاله ما عرضته شاشة التلفزيون في قاعة المطار من مشاهد لقصف بنغازي في بداية الانتفاضة أواخر شهر فبراير. حينها قرر التوجه إلى ليبيا بعد عودته الثانية لزيارة مصر، حيث انطلق من هناك ليصل الحدود الشرقية، وصادف تدفق الآلاف من العمال الأجانب الذين كانوا يعملون في ليبيا، فكانت البداية من طبرق، ثم منها إلى بنغازي حيث يسرد ليفي لقاءه الأول مع المجلس الوطني الانتقالي بمقره في المحكمة العليا ببنغازي. وكان المجلس يتشكل وقتها من رؤساء لجان المدن والبلدات الليبية المنتفضة. وفي أول لقاء له مع رئيس المجلس، رسم عبد الجليل المصير القاتم الذي ينتظر الثوار، مشيراً إلى زحف كتائب القذافي على المدينة وقرب وصولها، محذراً من مجازر مروعة تنتظر الليبيين، لاسيما بعد تهديد سيف الإسلام بإغراق المدينة في بحر من الدم. وحينها أدرك الكاتب مدى الحاجة إلى التحرك السريع، رغم ما صاحب اللحظة من ارتباك، لاسيما أنه لم يكن يحمل صفة رسمية من الدولة الفرنسية، ولا كان مبعوثاً خاصاً من أي نوع، ومن ثم فمن الصعب أخذ كلامه على محمل الجد لدى الثوار. إلا أن تعقيد الوضع الميداني من جهة، ورغبة الثوار في تجريب كل الحلول الممكنة، جعلتهم يثقون في الكاتب الذي بدوره أقنعهم بإرسال مبعوثين لشرح الوضع في باريس. وبالطبع لم يكن سهلاً على الكاتب إقناع دائرة الرئيس باستقبال الثوار الليبيين في وقت لم تكن دولة واحدة في العالم تعترف بهم، ما دفع ليفي إلى تجنيد شبكة علاقاته والاتصال مباشرة بساركوزي الذي وعده باستقبالهم شخصياً. وفي العاشر من شهر مارس كان الوفد الليبي في قصر الأليزيه يستمعون إلى ساركوزي ويعرضون مطالبهم الواضحة: الدعم العسكري، وتدويل القضية الليبية. وكانت نتيجة اللقاء الذي حضره ليفي اعتراف فرنسا بالمجلس الوطني الانتقالي كممثل شرعي للشعب الليبي، ممهداً الطريق لرفع الملف الليبي إلى مجلس الأمن الدولي وصدور قرار الذي يفوض "الناتو" بحماية الليبيين من كتائب القذافي، ثم مبادرة الطائرات الفرنسية في 17 مارس بقصف أولى الأهداف العسكرية. وكان على الكاتب أيضاً إقناع السياسيين الفرنسيين بأن ليبيا ليست البلد الممزق والمنقسم على نفسه، فسارع إلى تهدئة المخاوف من خلال اتصاله بزعماء القبائل الذين وقع 32 منهم على وثيقة تنص على احترام وحدة ليبيا تحت راية واحدة. وبالإضافة إلى تقديم وفود الثوار الأوائل إلى ساركوزي، قام ليفي أيضاً بمصاحبة الجنرال عبد الفتاح يونس إلى العسكريين الفرنسيين، ناهيك عن أدوار محورية أخرى مثل التدخل لدى الدول الأفريقية لإقناعها بالتوقف عن دعم القذافي، فزار الرئيس السنغالي "واد" ونجح في كسر ذلك التحالف التقليدي بين بعض الأنظمة الأفريقية والقذافي، وأصبحت السنغال من أولى الدول الأفريقية التي اعترفت بالمجلس الوطني الانتقالي. وعندما تعرضت مصراتة لحصار خانق انهار وقصف مكثف أوقع 1600 قتيل، تسلل الكاتب من مالطا بقارب صغير ليقف على حجم الدمار والقتل الذي تعانيه المدينة المحاصرة، وليقنع القادة الفرنسيين بتسليح ثوار نفوسة لفتح جبهة الجنوب على طرابلس وتخفيف الضغط على مصراتة التي أُعجب الكاتب بمقاومة أهلها وصمودهم في وجه الاندفاع الشرس لكتائب القذافي. زهير الكساب ------ الكتاب: الحرب دون أن نحبها... مذكرات كاتب في قلب الربيع الليبي المؤلف: بيرنارد هنري ليفي الناشر: جراسي تاريخ النشر: 2011