"إخوان ليبيا"...قراءة في البدايات
فتحت هزيمة يونيو 1967 في ليبيا، كما في دول عربية أخرى، المجال السياسي واسعاً لصعود التيار الإسلامي. ومن المعروف أن نتائج هذه الحرب، التي ألحقت فيها إسرائيل خسائر فادحة سريعة وغير متوقعة بعدد من الجيوش العربية، قد قلبت موازين حركية وفكرية وحزبية كثيرة!
وفي ليبيا حيث بيَّنا في مقال سابق كمون بذرة جماعة "الإخوان" سنوات مديدة، بادرت بعد الحرب بشهور قليلة مجموعة من الشخصيات المنتمية فكرياً إلى مدرسة "الإخوان"، ببحث إمكانية إنشاء تنظيم يجمع أكبر عدد من الأشخاص الملتزمين بأهدافها، أغلبهم على علاقات اجتماعية متواصلة.
وانتهت المشاورات والاتصالات، كما يقول محمود الناكوع في كتابه الموجز عن الحركات الإسلامية في ليبيا، إلى عقد سلسلة من الاجتماعات في شقة محمد رمضان هويسة في طرابلس وكان "هويسة" الذي ينتمي إلى أسرة معروفة لها مكانتها الاجتماعية قد صار من الجماعة منذ مرحلة الدراسة الثانوية. ويقول عنه "الناكوع" إنه "كان شديد الحماسة لحركة "الإخوان" وتاريخها وجهادها، ولا يخفي انتماؤه لها، وخاصة عندما كنا في الجامعة ببنغازي في أوائل ستينيات القرن الماضي". وانتهت سلسلة الاجتماعات الخفية تلك بالاتفاق على تأسيس تنظيم للإخوان بطرابلس، له لجنة قيادية. ويقول "الناكوع" إن هذه اللجنة لم تكن مختارة أو منتخبة، بل "برزت بحكم نشاطها وحضورها الفكري والاجتماعي". ونظراً لسرية العمل، يضيف، "لم تكتب المجموعة أي نظام أساسي أو ميثاق أو بيان، فكل شيء في الصدور".
كان هذا في طرابلس، أما إخوان بنغازي فقاموا بتأسيس تنظيم مشابه كان من قياداته عبدالكريم الجهاني، ادريس ماضي، مصطفى الجهاني، محمد الصلابي، صالح الغول، وآخرون.
كان بين التنظيمين في شرقي البلاد وأقصى غربها تنسيق لتبادل الآراء والمعلومات. وكان هذا يتم بسرية تامة، حيث لم يشهد العهد الملكي 1952 - 1969 أية اعتقالات في صفوف تلك التجارب التنظيمية. ولكن الجميع، يقول المؤلف "كانوا تحت رقابة ومتابعة الأجهزة الأمنية".
وعن الأجواء الداخلية لتلك المحاولة التنظيمية، يقول "الناكوع" بأنها كانت مقتصرة على بعض اللقاءات لمجموعة الأسر، التي لا يتجاوز عدد أعضائها أربعين عضواً، هم كل أعضاء التنظيم في طرابلس وما حولها من مدن بغرب البلاد، ولكن هناك العشرات من قدامى الإخوان ممن لم ينضموا إلى المحاولة. وقد استمرت هذه الجهود نحو العالم أو أكثر، ثم توقفت تلقائياً، حيث انقطع كثيرون عن حضور لقاءات الأسر، وهي لقاءات روتينية رتيبة، تدور جلساتها حول قراءة في موضوع تثقيفي في التفسير، أو الحديث، أو التاريخ. ولم يكن هناك أي نشاط سياسي أو صحفي".
كيف كانت هذه المجموعة تفكر في واقعها ومستقبلها؟
جاءت حركة القذافي الانقلابية في بداية سبتمبر 1969، واعتبرها الكثير من المحبطين في العالم العربي ضمن "الثورات والحركات التصحيحية". كانت الإجراءات الانقلابية التي توالت منذ نجاح حركة القذافي كارثة حقيقية على البلاد والمجتمع والاستقرار الداخلي والخارجي على حد سواء. وإلى جانب تقلبات مزاج القذافي الجنونية وتجاربه المحلية والقومية ونظرياته، صدرت بعد عام 1969 قرارات وقوانين تمنع النشاط الحزبي وتعتبره جريمة، وتم تطبيق نظام المؤتمرات واللجان كبديل للأحزاب السياسية. وفي يونيو عام 1971 تقرر تأليف "الاتحاد الاشتراكي العربي"، حزباً وحيداً في البلاد، كما في التجربة الناصرية المصرية. ولم يعقد الاتحاد سوى مؤتمره الأول عام 1972، حيث أُلغي مؤتمره الثاني المقرر عقده عام 1973، وأعلن القذافي في الشهر التالي الثورة الشعبية الثقافية، وأعقب ذلك قيام اللجان الشعبية، حيث تمارس هذه اللجان كافة السلطات التي كانت ممنوحة للمحافظين وحكام الأقاليم والمناطق.
وقد تقرر عام 1979 إنشاء لجان ثورية في كل الهيئات الحكومية والمؤتمرات الشعبية الأساسية واللجان الشعبية للاتحادات والجمعيات المهنية واتحادات الطلاب في الجامعة والقوات المسلحة، حيث كانت هذه اللجان ملزمة بتقديم تقاريرها مباشرة للعقيد. لقد قام تنظيم "الضباط الوحدويين الأحرار" بالقضاء على النظام الملكي عام 1969، وهيمن العسكريون وأنصار النظام على البلاد ولم يُسمح بقيام أية معارضة. وتقول "موسوعة العلوم السياسية"، الصادرة عن جامعة الكويت عام 1994، أنه "لم تحدث بالجيش الليبي أي حالات تمرد مهمة على الرغم من حدوث محاولات انقلابية، وتمت معارضة داخل الجيش ضد إنشاء ميليشيا شعبية لموازنة سلطة الجيش المحترف، وضد تجنيد الفتيات، ومع ذلك، لا يمكن أن يحدث أي تحدٍ حقيقي للنظام إلا من القوات المسلحة لأنها الجماعة الوحيدة التي تحظى بالقوة والتنظيم المطلوبين".
وتضيف الموسوعة بأن ثمة عدة جماعات معارضة للنظام الليبي، وكانت أبرز هذه الجماعات جماعة "الإخوان المسلمين" التي تعرضت لحملة قمع ضارية في النصف الأول من الثمانينيات بعد تزايد نشاطها المعارض، ويبدو أن قوتها قد تداعت بعد هذه المواجهة. وتقول موسوعة كولومبيا عن الحركات الإسلامية إن السلطة الليبية نجحت في عرقلة نمو الحركات الإسلامية منذ الثورة عام 1969 عن طريق إقامة "أصولية رسمية" بمبادرة من القذافي نفسه. وقد قامت هذه الحركة بتحطيم الآلات الموسيقية على الأرصفة، ومنع المشروبات الكحولية، وتم التوسع في مد قوانين الشريعة الإسلامية وبخاصة الحدود بما في ذلك بتر الأطراف والجَلْد، ومنذ عام 1995 أصبح الإعدام عقاب كل من يتورط في قضايا المس بالدين.
وتضيف نفس الموسوعة أن القذافي، بعد هذه المحاولات في الاستفادة من الدين وجد نفسه وجهاً لوجه أمام التيارات الإسلامية وعلماء الشريعة، بعد أن شكك في صحة الأحاديث النبوية، ودعوته إلى اعتبار القرآن مصدراً وحيداً للشريعة.
غير أن موقفه من حقوق المرأة، هو الذي استفز هذه القوى وبخاصة الأكثر تشدداً منها. وبخاصة بعد أن أصدر القوانين التي تحد بعض الشيء من تعدد الزوجات، والتي تعطي المرأة بعد الطلاق الشرعي الحق في نقضه أمام المحكمة، كما بذل العقيد جهوداً مستمرة لإدخال المرأة مختلف مجالات الحياة. وهكذا، باصطدامه مع أحكام الشريعة والأعراف المحافظة، استفز القذافي التوجهات الدينية. وقد شهدت الأوساط الدينية خلال هذه الفترة العديد من حالات إغلاق المساجد واعتقال العناصر الدينية موضع الشك. "عندما وقع التغيير العسكري بقيادة الضباط الوحدويين في الأول من سبتمبر، وانتهى النظام الملكي"، يقول محمود الناكوع، "لم يكن هناك وجود فعلي للتجربة التنظيمية الإخوانية ولم يتم حلها بصورة حاسمة من قبل اللجنة أو الأسرة القيادية. وبسبب ملفات الأمن منذ النظام الملكي، والتي تضمنت قائمة بأسماء العناصر النشطة والمعروفة في المجتمع بحضورها الثقافي أو الخطابي أو الصحفي أو الجامعي، جرى اعتقال قرابة ثلاثين شخصاً في طرابلس في أبريل 1973، أثناء الإعلان عمّا سُمي رسمياً بالثورة الثقافية والإدارية. وكان في مقدمة من تم اعتقالهم اللجنة القيادية، والبعض يسميها الأسرة القيادية، واستمر الاعتقال لمدد أقصاها قرابة واحد وعشرين شهراً.
ورغم البدء في إجراء محاكمة تلك المجموعة، فإن المحاكمة توقفت بأمر سياسي، وأُفرج عن الجميع إثر خطاب للقذافي رئيس مجلس قيادة الثورة، قال فيه: "إذا أراد الإخوان العمل للإسلام فعليهم أن يعملوا خارج ليبيا، وأن يتجهوا إلى جمعية الدعوة الإسلامية، ويهتموا بنشر الإسلام في أفريقيا وآسيا".
وخرج "الإخوان الليبيون" من السجن ليواجهوا مرحلة جديدة، ففور الإفراج عنهم، يضيف الناكوع، "طلبت المؤسسة الأمنية (المباحث العامة) من عدد من الشخصيات الاتصال بجمعية الدعوة بطرابلس، وذلك تنفيذاً لقرار القذافي، وطلبت بالذات من د. عمرو النامي أن يسافر للعمل خارج البلاد، وبذلك التطور كان مآل حركة "الإخوان" في ليبيا، حيث انتهى نشاط أعضائها، وأصبحت محظورة مثل كل الأحزاب الأخرى".