قدم كوفي عنان تقييمه الأولي حول الأزمة السورية إلى مجلس الأمن، وقال ليل الجمعة السبت الماضي إنه توصل مع السلطات السورية إلى اتفاق يقضي بإرسال فريق دولي فني من مكتبه للتباحث مع حكومتها حول تفاصيل الخطة العربية التي عرضها عليها قبل بضعة أيام من الآن. وقد عيّنت كل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية كوفي عنان موفداً خاصاً عنهما إلى سوريا، لمحاولة إيجاد حل للأزمة المندلعة هناك. وقالت المنظمتان في بيان مشترك، يوم الثالث والعشرين من فبراير المنصرم، إن عنان سيقوم بمساع حميدة لوقف أعمال العنف وانتهاكات حقوق الإنسان وتشجيع حل سلمي للأزمة السورية. وكان اسم عنان معروضاً مع اسم الرئيس الفنلندي السابق مارتي أهتيساري، كمرشحين لهذه المهمة، لكن أهتيساري واجه اعتراضاً من جانب روسيا بسبب ماضيه كوسيط في كوسوفو. وقبل هذا كان أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون يفضل مبعوثاً عربياً، حيث طُرح اسم رئيس الوزراء الجزائري السابق مولود حمروش ووزير خارجية الكويت السابق محمد صباح السالم الصباح... لكن الحكومات العربية لم ترغب في اختيار موفد عربي نظراً الانقسامات المواقف العربية حول سوريا. وهكذا وقع الاختيار على عنان، وقال أمينا الجامعة العربية والأمم المتحدة إنهما "ممتنان لقبوله هذه المهمة الضرورية في وقت حساس بالنسبة للشعب السوري". فمن هو عنان؟ وما هي خبراته في التعاطي مع أزمات من نوع الأزمة السورية الحالية؟ عنان دبلوماسي دولي ينحدر من غانا في غرب أفريقيا، وقد أمضى معظم سني حياته المهنية موظفاً في الأمم المتحدة إلى أن أصبح أمينها العام طيلة عشر سنوات. وحصل على جائزة نوبل للسلام عام 2001 عن دوره في دوره في السلم والأمن العالميين. وقد ولد كوفي عطا عنان عام 1938 لأسرة أرستقراطية في مدينة كوماسي بجنوب وسط غانا، حين كانت مستعمرة بريطانية في حينه. وتردد على مدرسة "مفانتسيبيم" للنخبة، قبل أن ينتقل إلى المدرسة الميثودية في "كيب كوست". وفي عام 1958، أي بعد عام واحد على استقلال بلده غانا، بدأ عنان يدرس الاقتصاد في كلية كوماسي للعلوم والتكنولوجيا، ثم حصل على منحة من مؤسسة فورد ليكمل دراسته الجامعية في كلية "ماكاليستر" في مينيسوتا بالولايات المتحدة عام 1961. وفي العام التالي استهل عمله في الأمم المتحدة كموظف إداري وموظف ميزانية في منظمة الصحة العالمية بجنيف. وفي الأمم المتحدة شغل مناصب تنظيمية تعنى بالإدارة والميزانية والمالية وشؤون الموظفين، لكنه أيضاً شغل مناصب تهتم بقضايا اللاجئين وحفظ السلام، واضطلع بهام دبلوماسية حساسة، شملت التفاوض في أزمات الكويت والعراق ويوغسلافيا السابقة وبوروندي. فعقب الغزو العراقي للكويت عام 1990 أوفدته الأمم المتحدة لتيسير عودة 900 من الموظفين الدوليين إلى أوطانهم ولإطلاق سراح الرهائن الغربيين. وفي عام 1995 ترأس أول فريق للأمم المتحدة للتفاوض مع العراق حول صيغة "النفط مقابل الغذاء". وبين عامي 1993 و1995 شغل منصب وكيل الأمين العام لشؤون عمليات حفظ السلام، ثم منصب الأمين العام المساعد لشؤون عمليات حفظ السلام، وأصبح مبعوث الأمين العام إلى يوغسلافيا وحلف شمال الأطلسي، وذلك عقب توقيع اتفاق دايتون عام 1996، حيث قام بتنسيق دور الأمم المتحدة في تحقيق انتقال سلس في البوسنة والهرسك من "القوة الدولية للحماية" إلى "قوة التنفيذ" بقيادة "الناتو". كما أشرف على إنشاء ثلاث عمليات حفظ سلام أعقبت ذلك في يوغسلافيا السابقة. وفي مطلع 2007 أصبح عنان أول أمين عام للأمم المتحدة يأتي من صفوف موظفيها، بعد 35 عاماً خدم خلالها في أديس أبابا والقاهرة وجنيف ونيويورك والإسماعيلية... أكسبته معرفة وثيقة بأنشطة المنظمة في الميدان، وبآراء الموظفين في مراكز العمل والخبراء من جميع المستويات والجهات. وإلى قضايا السلام والأمن والتنمية التي طرحت بحدة خلال قيادته للأمم المتحدة، فقد بذل عنان جهداً كبيراً للإسهام في إصلاح المنظمة، لكن القمة العالمية التي عقدت بمناسبة مرور ستين عاماً على تأسيس الأمم المتحدة، انتهت بوثيقة قيل إنها أقل من طموح عنان في إصلاح المنظمة ومحاربة الفقر والإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان. ومع ذلك فقد وقع الاختيار عليه وعلى الأمم المتحدة برئاسته، عام 2001، للفوز بجائرة نوبل للسلام، تقديراً "لعملهما من أجل أن يكون عالمنا أكثر انتظاماً وتمتعاً بالسلام". وذكرت لجنة الجائزة النرويجية أن الأمم المتحدة "اليوم منظمة تقف في طليعة الجهود المبذولة لتحقيق السلم والأمن العالميين، ولحشد الإمكانيات الدولية التي تهدف إلى الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية العالمية". لعل مهمة عنان كوسيط في كينيا عام 2009، أنجح مهام الدبلوماسية الوقائية خلال السنوات الأخيرة، حيث تمكن من عقد اتفاق بين الرئيس مواي كيباكي وزعيم المعارضة رايلا أودينجا، لوقف أعمال العنف التي أودت بحياة 1300 شخص، ثم إطلاق حوار سياسي أعاد الاستقرار للبلاد. لكن المفتاح الأساسي لنجاح عنان في كينيا كان الدعم السياسي من المجتمع الدولي، وهو ما يحتاجه الآن كي يحقق نجاحاً مماثلاً في سوريا، لاسيما من جانب الروس والصينيين. وذلك ما أشار إليه عنان حين طالب المجلس بتوحيد مواقفه وجهوده من أجل دعم مهمته في سوريا. لكن من غير الواضح ما إذا كان تقرير عنان قد حسّن فرص كسر الجمود في المجلس بشأن سوريا. وكان عنان قد وصل إلى دمشق يوم العاشر من مارس الجاري، حيث التقى الرئيس السوري وناقش معه إمكانية وضع خريطة الطريق العربية موضع التنفيذ، بدءاً بوقف القتال، ثم تأمين الإمدادات الإنسانية للمناطق المنكوبة، وأخيراً الدخول إلى حوار سياسي بين الحكومة والمعارضة، وصولاً إلى حل سياسي للأزمة القائمة منذ عام كامل. لكن الحكومة السورية تقول إنه يتعين على المعارضة أن توقف القتال أولاً، بينما يقول العرب والغرب إنه على الأسد وجيشه القيام بالخطوة الأولى. ثم تعود دمشق وتضيف شرطاً آخر، وهو أن يتوقف العرب والغرب والأتراك عن دعم المعارضة بالسلاح والمال! وأمام اشتراطات "الخطوة الأولى"، يبرز السؤال: هل يستطيع عنان إقناع الأسد بوقف القتال وإنهاء العمليات العسكرية في المدن وحولها؟ وفي ذلك إشارة إلى خصوصية وحجم التعقد في الأزمة السورية، داخلياً وخارجياً، وإلى تعذر نجاح الوساطة في كينيا مع الحالة في سوريا! محمد ولد المنى