قطاع الطاقة الشمسية: دعم أوروبي يتقلص!
تمثل الألواح الشمسية السوداء البراقة مشهداً شائعاً ومألوفاً على غرار أبراج الكنائس المبنية على الطراز الباروكي في هذا القطب الصناعي، بفضل الدعم الحكومي الذي ساهم في جعل ألمانيا رائدةً في تكنولوجيا الطاقة الشمسية على مستوى العالم. غير أن خفضاً مفاجئاً للدعم هنا وفي أماكن أخرى في أوروبا تسبب اليوم في أزمة للقطاع أبعدته عن تحقيق هدفه الرئيس: سعر لتوليد الطاقة الشمسية لا يفوق أسعار الوقود الأحفوري.
فقد أخذت عدد من الحكومات عبر أوروبا تقلص الإنفاق العام من أجل خفض العجز، وقد شمل هذا التقليص الدعمَ الحكومي للطاقة الخضراء أيضاً، حتى في وقت يزداد فيه قطاع الطاقة الشمسية نمواً في الولايات المتحدة، مستفيداً في ذلك من سياساتٍ فيدرالية داعمة وزيادةٍ في الدعم الذي يمثل جزءاً من برنامج التحفيز الفيدرالي. وفي هذا السياق، أشار صناع السياسات الألمان الأسبوع الماضي إلى أنهم يخططون لخفض الدعم الذي كان سخياً في يوم من الأيام، بما يصل إلى 29 في المئة بنهاية هذا الشهر، علاوة على خفض بنسبة 15 في المئة في يناير المقبل... وإن كانت بعض التفاصيل ما زالت موضوع تفاوض بعد احتجاجات لقطاع الطاقة الشمسية. وقد أقدمت بريطانيا وإيطاليا على خطوات مماثلة، بينما تخلت إسبانيا في يناير الماضي عن دعم هذا القطاع بشكل كلي، مما أثار حفيظة قطاع الطاقة الشمسية في البلاد.
وقبل بضعة أشهر فقط، كانت أي شركة عاملة في قطاع الطاقة الشمسية تقوم بزرع حقل من الألواح الشمسية فوق أحد المخازن الكثيرة المنتشرة في هانوفر، تكون واثقة من أنها ستجني أرباحاً. أما اليوم، فتقول إحدى تلك الشركات إنها ستكون محظوظة إذا أنجزت المشروع حتى في هذا الوقت الذي بدأ ينضب فيه الدعم الحكومي لهذا القطاع.
ويقول المدافعون عن القطاع إن الطاقة الشمسية في المناطق المشمسة ما زالت بحاجة إلى عدد من السنوات حتى تصبح ذات تنافسية مقارنة مع طاقة الوقود الأحفوري، في حال استطاعت شركات الطاقة الشمسية الاستمرار في هذا القطاع. ذلك أن عدداً من الشركات أعلنت إفلاسها، في حين تقول أخرى إنها ستتخلى عن أوروبا وستركز بدلاً من ذلك على البلدان النامية حيث يجعل ضعفُ البنى التحتية من الألواح الشمسية التي تشتغل خارج الشبكة الكهربائية منافساً اقتصادياً لمولدات الديزل.
ولئن كان الكثيرون يعترفون بأن الدعم الحكومي أصبح سخياً على نحو مفرط، وفي وقت انخفض فيه سعر الألواح الشمسية بشكل كبير، فإنهم يشددون على أن الحكومات بدأت تتراجع عن تعهداتها السابقة باعتماد الطاقة الخضراء، ويجادلون بأن تقليص الدعم الحكومي حدث بشكل مفاجئ جداً. كما يتساءل البعض حول ما إن كانت البلدان الأوروبية ستستطيع مع ذلك رفع حصة الطاقة المتجددة من إمدادات الطاقة في عام 2020 إلى نسبة 20 في المئة المستهدفة في بريطانيا و35 في المئة في ألمانيا. وفي هذا الإطار، يقول ريتشارد شليكت، رئيس "جيوسول ألمانيا"، الشركة التي تقوم بإنجاز المشروع فوق المخزن في هانوفر: "إن كل هذا التطور إنما حدث بفضل ألمانيا وبضعة بلدان أوروبية أخرى"، مضيفاً أن الطاقة الشمسية "بدأت تصبح رخيصة من خلال الإنتاج الكبير فقط. وهذا لم يحدث إلا من خلال خلق الطلب. ولذلك، فإن وقفه الآن ليس أمراً منطقياً".
المستودع في هانوفر –والذي يقع على الضفة الأخرى من النهر مقابل محطة ضخمة لتوليد الطاقة بواسطة الفحم – سيجري فيه تخزين قطع حافلات صغيرة من طراز فولكسفاجن يتم تصنيعها في مصنع مجاور. وإذا كانت الألواح الشمسية لن تخفض احتياجات المصنع من الكهرباء، فإنها ستولد خلال يوم مشمس ما يكفي من الطاقة لمعظم المشروع الذي يضم 120 منزلاً حيث يعيش عمال فولكسفاجن بالجوار.
الطفرات والإفلاسات ضربت بلداناً أخرى أيضاً. ففي بريطانيا، حيث تعهدت الحكومة التي يقودها المحافظون ذات يوم بأن تكون "الأكثر خضرة" في تاريخ البلاد، شرع المسؤولون في خفض الدعم الحكومي لقطاع الطاقة الشمسية بشكل جذري، حيث تم خفض الدعم السخي الذي رُصد لهذا القطاع منذ 2009 – على نحو متأخر حسب المعايير الأوروبية– بالنصف هذا الشهر، على أن يكون ثمة خفض حاد آخر في فصل الصيف المقبل.
غير أن هذا الخفض –الذي يحدث في وقت تعمل فيه الحكومة على تقليص الإنفاق العام عبر كل القطاعات في محاولة لخفض العجز– أدى إلى رفع دعوى قضائية من قبل قطاع الطاقة الشمسية في بريطانيا، والتي توظف قرابة 35 ألف شخص. وفي هذا الإطار، يقول دانييل جرين، المدير التنفيذي لـ"هوم-صن"، وهي شركة تعمل في قطاع الطاقة الشمسية ويوجد مقرها في لندن، إن قطاع الطاقة الشمسية في بريطانيا بدأ يتخلص من "آلاف الوظائف". وتتوقع شركته، التي توظف 350 شخصاً، أن تتضرر بشكل خاص. وكانت الشركة قد دخلت قطاعاً مربحاً قامت فيه بتركيب الألواح الشمسية على المنازل البريطانية بالمجان، مكتفية بتلقي المعونات الحكومية بالمقابل. ومنذ تأسيسها قبل 18 شهراً، قامت الشركة بتركيب ألواحها الشمسية فوق أسطح 10 آلاف منزل، وتلقت طلبات من 300 ألف منزل آخر. ويقول جرين: "لقد كنا في طريقنا إلى تحقيق تقدم كبير على صعيد الطاقة الشمسية في بريطانيا من خلال الطاقة الشمسية المجانية، لكن كل ذلك توقف اليوم!".
مايكل برنبوم – هانوفر، ألمانيا
أنثوني فايولا – لندن، بريطانيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"