التنوير هو لب حياتنا المعاصرة، ومن دونه لا يوجد علم ولا فكر ولا أدب أي إنجاز مفيد ونافع. وبالتنوير تتواصل الأمم والشعوب، وتتلاقح الحضارات، وتسمو المدنية، وتنشط الإنسانية. بهذا التوصيف حول التنوير ودوره في حياة العصر، يستهل الدكتور إسماعيل عبدالفتاح كتاب "التنوير ورواده في العالم العربي"، وهو كتاب تشارك فيه نخبة من مفكري مصر ومثقفيها، يعرضون فيه صفحات من حياة الرواد التنويريين في التاريخ المصري المعاصر. فحول رفاعة رافع الطهطاوي، يقول الدكتور عبدالفتاح إنه الرائد الأول للتنوير في العالم العربي الحديث، وباعث نهضة مصر في النصف الأول من القرن التاسع عشر، إذ كان أول مترجم لكتب الطب الحديث، وأول صحفي مصري، وأول منشئ لصحيفة عربية في مصر (الوقائع المصرية)، وأول من طالب بإنشاء جامعة مدنية عربية... لذلك فهو بحق رائد التنوير العربي. وفيما يخص الفلسفة التربوية للطهطاوي، فقد كان يرى في التعليم الطريق إلى الإحياء والتجديد وبعث النهضة، حيث أكد على أهمية التربية في تقدم المجتمع. أما الرائد التنويري الآخر، فهو علي مبارك الذي يعد "أبو التعليم في مصر"، والذي يقول عنه أبو مسلم يوسف إنه أسهم في تاريخ حركة الاستنارة التي سبقت الحركة العرابية ومهدت لها. فعلي مبارك المولود عام 1824 تلقى تعليمه في مدرسة "المهندسخانة"، واختير لدراسة الفنون الحربية في باريس، ثم تقلد مناصب رفيعة في قطاعات الأوقاف والتعليم والمعارف والبنية التحتية، فأحيا المدارس القديمة وأنشأ مدارس أخرى جديدة، وكان أول من بلور سياسة للتعليم جعلت اسمه مقترناً بالنهضة التعليمية في مصر. وحول رمز تنويري آخر، هو الشيخ محمد عبده، "رائد التنوير والتجديد"، يتناول منصور الرفاعي عبيد مولده وبيئته ومواهبه، وكيف لمع اسمه بين الناس، مبيناً أنه كان يرى "عدم الاشتغال بالسياسة"، والتركيز بدلاً منها على تربية جيل الأبناء لتكون عندهم القدرة على الإصلاح المنشود. ويلخّص الكاتب فكرة عبده في نقطتين: العمل على تقريب الحكمة للناس، وتهذيب السلوك الإنساني. ومن عبده إلى محمود سامي البارودي، شاعر السيف والقلم، الذي يقول عنه سامي زين الدين إنه دخل المدرسة الحربية صبياً، لكنه تأثر بشعراء الجاهلية والإسلام، وبالأعمال الأدبية العظيمة للجاحظ، وبفقهاء وفلاسفة الإسلام، فكان مجدداً في مجال الشعر، وأحد الشعراء الذين ساندوا تيار الوعي بقيادة جمال الدين الأفغاني لإنقاذ العالم الإسلامي من الاستعمار. أما مصطفى كامل، فيقول عنه بحث لسيد حشيم، إنه امتلك القدرة على تحريك الجماهير، ولم يترك فرصة إلا استغلها لمصلحة تحرير وطنه من الاحتلال الانجليزي، حتى مهّد نضاله الثوري الطريق لقيام ثورة 1919. ولم تكن قضية الاحتلال وحدها التي تشغل مصطفى كامل، بل كان مشغولاً كذلك بنشر التعليم، كما كان معنياً بوحدة العالم الإسلامي. وفيما يخص لطفي السيد، "أستاذ الجيل"، يعتبره منصور شاهين أول من نادى بـ"مصر للمصريين"، وأول من فتح الجامعة لتعليم البنات، وهو صاحب دعوة تعريب التعليم، وعلى يده تخرج عدد كبير من السياسيين والمفكرين. فيما تَعتبر ليلى عبد الحميد البرجي طلعت حرب "رائد التنوير الاقتصادي"؛ كونه أحد بناة الاقتصاد المصري الحديث، ومن أبناء ثورة 1919 الذين رأوا أن مستقبل الوطن لا ينهض إلا بالحرية والاستقلال والاقتصاد الوطني. من هنا كان عمله الدائب من أجل استكمال أركان الاقتصاد بالمصانع والبنوك وشركات الطيران والبواخر والنسيج. أما هدى شعراوي، كما تقول نجوى فؤاد، فلم تناد فقط بالتخلص من البرقع، بل ناضلت في ميدانين معاً؛ أولها حرية الوطن وتخلصه من نير الاحتلال، وثانيهما حرية المرأة وانعتاقها من ظلم التقاليد والمفاهيم العتيقة. لقد مكنتها ثقافتها العالية من السعي إلى تحرير بنات جنسها، فحاربت الأمية، وشهّرت بالزواج المبكر والطلاق وتعدد الزوجات، ونظّمت أول حركة نسائية سياسية في مصر بقيادتها. أما عبدالرزاق السنهوري، "رائد الفكر القانوني في العالم العربي"، فهو المفكر الدستوري الأبرز الذي وضع أغلب الدساتير العربية، والذي شعر بالمحنة والانهيار بسبب إسقاط الخلافة الإسلامية عام 1923 عند ما كان طالباً في فرنسا، فكتب مؤلفاً ضخماً ضمّنه الخطط العمليةَ لاستعادة "الجامعة الإسلامية". ورغم مشاركته في المعارك السياسية والفكرية، فإن السنهوري ظل مستقلاً عن أي تنظيم أو حزب. وقد تبنى منهجاً في إحياء الشريعة يقوم على: النظرة المقارنة، وتبويب الشريعة، وتجديد الفقه، والتأكيد على مرونة الشريعة. وأخيراً يتناول الكتاب سيرة عملاق الفكر والأدب، عباس محمود العقاد، بقلم عبدالرزاق خليف، الذي يقول عن العقاد إنه من أيمة الأدب وأحد أعظم الأدباء والمبدعين. فقد خدم أمته في مجالات الفكر والسياسة والشعر والفلسفة، فاغتنى وأغنى من حوله الحياة. محمد ولد المنى الكتاب: التنوير ورواده في العالم العربي المؤلفون: جماعة الناشر: مركز الإسكندرية للكتاب تاريخ النشر: 2012