إحياء يهود المارانوس
أُطلقت كلمة المارانوس على اليهود الذين اعتنقوا المسيحية في كل من إسبانيا والبرتغال في القرن الخامس عشر الميلادي، بعد طرد المسلمين من هناك. ذلك أنه في أعقاب انهيار الحكم الإسلامي في الأندلس، والذي تمتع فيه اليهود بحريات كاملة في الحياة بكل جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والدينية، تعرض اليهود لموجة عارمة من الاضطهاد على أيدي المسيحيين الكاثوليك، ما جعلهم بين خيارين، إما التمسك بيهوديتهم والرحيل بعيداً، وإما التمسك بالبقاء في إسبانيا والبرتغال، وإعلان دخولهم في المسيحية لاتقاء مخاطر وشرور الاضطهاد الديني. المرجح لدى المؤرخين أن كلمة مارانوس التي أطلقها عليهم المسيحيون تعني «خنزير» في اللهجة العامية الإسبانية القديمة، وإذا أخذنا بهذا الرأي، فإن التسمية كانت استمراراً لعملية الاضطهاد لهؤلاء اليهود الذين أجبروا على تغيير ديانتهم، وإعلاناً مسيحياً بالشك في نواياهم وصدق اعتناقهم للمسيحية.
وهناك رأي أضعف يقول إن الكلمة محرفة عن كلمتين تستخدمان في الصلاة المسيحية باللغة الآرامية، أي «مارن آث»، وهما تخاطبان السيد المسيح: «أنت سيدنا». وجدير بالملاحظة أن اليهود في إسبانيا والبرتغال قد تعرضوا لموجتين كبيرتين من الاضطهاد؛ الأولى قبل دخول الإسلام إلى الأندلس، وقد بدأت عندما اعتنق ملوك الإسبان الديانة المسيحية فتحولوا إلى اضطهاد اليهود، والحد من حرياتهم والتضييق على حياتهم وأنشطتهم الدينية والاقتصادية والاجتماعية. بعد ذلك انتقلت هذه الموجة إلى البرتغال حتى دخل الإسلام على يد طارق بن زياد في عام 711 ميلادية. لقد أظهر اليهود ترحيباً كبيراً بالمسلمين. ومع تحول الأندلس إلى عاصمة ثقافية عالمية تدفقت أعداد كبيرة من يهود الدول الأوروبية لينعموا بسماحة الإسلام، وتركزوا في مدن عدة، منها قرطبة وإشبيلية حيث أقاموا معابدهم وازدهرت تجارتهم، وظهر بينهم مفكرون دينيون وأدباء انتفعوا بالفكر الإسلامي والأدب العربي في إنتاج أعمالهم.
أما الموجة الثانية من الاضطهاد، فجاءت بعد سقوط الدولة الإسلامية وعودة الفكر المسيحي. لقد بدأ الباحثون والأدباء في إسرائيل في الفترة الأخيرة الاهتمام بتاريخ هؤلاء اليهود المارانوس والتنقيب في دوافعهم لدخول المسيحية، ودراسة حقيقة موقفهم وهل تنصروا بالفعل أم كان تنصرهم في الظاهر فقط، ومعرفة نظام حياتهم الداخلي وتقاليد الزواج عندهم. إن عودة يهود المارانوس إلى الكتابات الحديثة تبدي مدى اهتمام الباحثين والأدباء الإسرائيليين بتسجيل تاريخهم وأنماط شخصيتهم واطلاع الأجيال اليهودية عليها. إن هذا الإحياء يلقى اهتماماً لدى الباحثين العرب في الفكر والأدب الإسرائيلي للكشف عن الرسائل الجديدة التي تستهدفها عملية الإحياء من ناحية ومعرفة حقيقة انتماء المارانوس للمسيحية.