فُجع العالم يوم الأربعاء الماضي بغرق العبّارة الكورية وعلى متنها 459 شخصاً، من بينهم 325 طالباً، و15 معلماً، من مدرسة واحدة. وحتى وقت كتابة هذا المقال، تشير البيانات الصادرة عن الحكومة الكورية؛ إلى أنه تم إنقاذ 174 راكباً، وتأكيد وفاة 32، ولا زال البحث جارياً عن 270 آخرين، الغالبية العظمى منهم من الأطفال، يعتقد أن جثثهم ظلت حبيسة داخل العبَّارة التي استقرت على عمق 37 متراً. وفي الوقت الذي لا زال فيه البحث جارياً عن جثث هؤلاء الأطفال لتسليمها لذويهم، لا زال أيضاً البحث جارياً عن حطام الطائرة الماليزية، التي اختفت من الوجود -تقريباً- منذ أكثر ستة أسابيع، في الثامن من الشهر الماضي، وعلى متنها 227 راكباً، معظمهم من الجنسية الصينية، بالإضافة إلى 12 من أفراد الطاقم، وذلك على رغم جهود البحث المضنية، التي غطت مياه المحيط الهندي وما حوله، من أقصاه إلى أقصاه، وشاركت فيها 12 دولة، ووظفت لها أحدث الأجهزة العلمية والعسكرية. وعلى غرار هاتين الفاجعتين، ضربت أيضاً «مكسيكو سيتي» عاصمة المكسيك، يوم الخميس الماضي، هزة أرضية بقوة 7,2 درجة على مقياس ريختر، وعمق 24 كيلومتراً تحت سطح الأرض، وأدت إلى أن يهرع الآلاف من سكان المدينة للشوارع خوفاً وذعراً من انهيار المباني على رؤوسهم. وقبل غرق العبَّارة الكورية بيوم واحد، تعرض أحد موانئ تشيلي بأميركا الجنوبية إلى حريق، نشأ في الغابات المحيطة بالمدينة الواقعة على شاطئ المحيط الهادي، وأدى إلى تدمير 2500 منزلاً عن بكرة أبيها، مخلفاً وراءه أكثر من 11 ألف شخص دون مأوى. وهذا الاستعراض السريع لبعض الحوادث التي وقعت خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية في مختلف أرجاء العالم، يؤكد أن الكوارث هي جزء من الحياة الإنسانية، وظاهرة شكلت مسار التاريخ البشري عبر عصوره، وقوة فاعلة في ظهور أو اختفاء الدول، وفي اندثار الحضارات. ويمكن تقسيم الكوارث إلى نوعين رئيسيين: الكوارث الطبيعية، والكوارث التي هي من صنع الإنسان. ويشمل النوع الأول كلاً من الفيضانات، والزلازل، والبراكين، وحرائق الغابات، والانجرافات الأرضية، والانزلاقات الطينية، والانهيارات الثلجية، وموجات التسونامي. وحتى موجات الجفاف والقحط تدرج هي الأخرى تحت مظلة الكوارث الطبيعية، بالإضافة إلى أنواع أخرى متعددة ومتنوعة من الكوارث الطبيعية. أما الكوارث التي تنتج عن أفعال الإنسان، فتشمل كوارث وسائل المواصلات، مثل سقوط الطائرات، وغرق البواخر، وانحراف القطارات، أو تلك الناتجة من حوادث صناعية، أو من حوادث في مفاعلات الطاقة النووية، أو انهيار المباني والكباري. وحتى الحروب والصراعات المسلحة تندرج هي الأخرى تحت مظلة الكوارث التي هي من صنع الإنسان. وكما هي الحال مع الكوارث الطبيعية، لن يتسع المقام هنا لذكر وتعداد الكوارث التي تنتج عن أفعال البشر، وتكون تكلفتها الاقتصادية والإنسانية فادحة الثمن. وبناء على معدلات وقوع الحوادث، وتكرارها أحياناً بشكل شبه روتيني، أصبحت إدارة الطوارئ والاستجابة للكوارث، جزءاً لا يتجزأ من مؤسسات المجتمعات الحديثة، سواء من خلال الأجهزة الحكومية، أو الجهات الخيرية التطوعية، حيث أصبحت إدارة الأزمات والطوارئ علماً يدرس في الجامعات، وتجرى فيه الأبحاث، وتخصص له موارد مالية، وقوى بشرية، بهدف التخفيف من وطأة الكوارث بأنواعها المختلفة، والتحضير والاستجابة لتتابع وتسلسل أحداثها -ضمن سيناريوهات مختلفة- وبناء الاحتياطيات القادرة على استعادة الأمور لوضعها الطبيعي قدر الإمكان. وأضيف مؤخراً إلى هذا العلم وخصص جزء من تلك الموارد المالية والبشرية لمرحلة أولية في إدارة الأزمات والطوارئ، هي مرحلة الوقاية. وتركز هذه المرحلة على الوقاية من المخاطر التي قد يتعرض لها البشر من الأساس، وبشكل رئيسي ضد المخاطر الطبيعية، أو الهجمات الإرهابية المحتملة، حيث يتم تفعيل إجراءات الوقاية تلك على الصعيدين؛ المحلي والدولي، وبشكل يكفل تأميناً تاماً ضد الطوارئ والكوارث. وإن كان من المعروف والمسلم به، أنه ليس من الممكن تحقيق الوقاية الكاملة ضد الأزمات والكوارث -خصوصاً الكوارث الطبيعية- وإن كان من الممكن تخفيف، أو تقليل، حجم الخسارة الإنسانية، والإصابات الجسدية، والتبعات الاقتصادية، من خلال تفعيل إجراءات الوقاية المناسبة قبل وقوع الأزمة أو الكارثة، وهي الإجراءات التي تشمل: الخطط الكفيلة بترحيل السكان في أسرع وقت، والتخطيط البيئي المناسب الذي يأخذ في الاعتبار العوامل البيئية والظروف المناخية المحيطة، واعتماد المعايير المناسبة للمباني والمنشآت الكفيلة بمنع انهيارها أو احتراقها. وهذه الاستراتيجية الوقائية، متعددة النقاط والجوانب، اعتمدتها 168 دولة في مؤتمر عقد باليابان في يناير عام 2005، ضمن خطة دولية عشرية، تعرف بإطار عمل «هيوجو» (Hyogo Framework)، الذي تضمن خمس نقاط أساسية، هي: 1- منح الأولوية للجهود الرامية لخفض خطر الكوارث. 2- تطوير نظم المعلومات والإنذار المبكر. 3- دعم ثقافة الأمان والمرونة الهيكلية في مؤسسات المجتمع. 4- خفض المخاطر في القطاعات المجتمعية والصناعية الرئيسية. 5- دعم إمكانيات وقدرات الاستعداد، وتنويع المصادر المخصصة للاستجابة. ولكن على رغم طموحات إطار العمل ذلك، تظل هناك قوتان خارج نطاق وقدرة البشر، وهما الظروف الطبيعية والأحوال المناخية العنيفة، كما حدث في إعصار «كاترينا» الشهير، ونسبة الخطأ البشري، كما اتضح في مأساة العبَّارة الكورية، وربما أيضاً في كارثة الطائرة الماليزية.