البرازيل.. لقصة الصعود بقية!
يسمُّونها بلاد «السامبا»! وبمزيج سديمي من الخيال المجنحّ والحقيقة الملموسة، والرغبة العارمة في استكشاف إغراب دول العالم البعيدة، ظلت البرازيل دائماً موضوع استلهام واستيهام في المخيال الثقافي الأوروبي، وخاصة في السنوات الأخيرة، التي شهدت اهتماماً متزايداً في فرنسا وأوروبا بذلك البلد العملاق الأميركي- اللاتيني، الذي ما فتئ يبهر الأوروبيين المأزومين اقتصادياً بشكل مزمن، ويمثل في أعينهم مصدر جاذبية لا تقاوم، وأرض فرص غير مستكشفة بالقدر الكافي حتى الآن، بل قصة صعود مشوقة ما زالت أكثر فصولها إثارة آتية في الطريق. هذا ما يقوله الكاتب الفرنسي هيرفي تيري في كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان: «البرازيل.. بلاد بازغة»، الذي يسعى فيه البرهنة على امتلاك العملاق اللاتيني لكافة مقومات البزوغ الاقتصادي ومقومات لعب دور محوري على المسرح الدولي، مستنداً في ذلك على كافة روافع القوة والتأثير التي يتعين توافرها أساساً في أية قوة اقتصادية كبرى، على صعيد عالمي.
ويقول الكاتب إن أكثر ما يؤهل البرازيل للصعود هو قوتها الاقتصادية الهائلة، حيث ظلت خلال السنوات الماضية تسجل معدلات نمو مرتفعة، وتشهد تنويعاً كبيراً في مصادر الدخل، واتساعاً للشراكات، وتنامياً كبيراً في التجارة الخارجية. وفوق هذا تتمتع البلاد أيضاً بسوق ضخمة، حيث تصل مساحتها إلى 8,5 مليون كلم مربع، وبعدد سكان 196 مليون نسمة. كما أنها حققت خلال الفترة الأخيرة مكاسب كبيرة لجهة ترسيخ قوتها الناعمة، وتقديم نفسها وقصة نجاحها للعالم، من خلال استضافتها الآن لمونديال 2014 ونيلها حق تنظيم الألعاب الأولمبية لسنة 2016. وقد زادت هذا الألق بشكل محسوس الرئيس السابق «لولا دا سيلفا» بما تمتع به من شخصية كاريزمية، وما قدمه من صورة إيجابية لبلاده، وقد توقع كثيرون أن تتعزز هذه الصورة أيضاً مع «ديلما روسيف» التي اختارها «لولا» أصلاً لتخلفه في الرئاسة.
وبالعودة إلى أسباب صعود وتعاظم قوة البرازيل، يستعرض المؤلف بين دفتي كتابه الواقع في 304 صفحات، مختلف مظاهر ودعائم الأداء الاقتصادي الباهر، والنفوذ السياسي الإقليمي والدولي المتنامي، مبرزاً بشكل خاص أسباب القوة الداخلية بما فيها من موارد طبيعية كثيرة، واقتصاد فلاحي بالغ القوة والتنوع والتوسع، هذا زيادة على توافر الأيدي العاملة وكون الشباب هو الشريحة الأعرض على هرم السكان، وارتفاع مستوى التأهيل وجودة مخرجات النظام التعليمي في الغالب، وتوافر الاستقرار وصلابة المؤسسات.. وتضاف إلى ذلك كله أسباب القوة الخارجية أيضاً نظراً لالأدوار الجيوبوليتيكية المؤثرة التي تلعبها البرازيل في فضائها الإقليمي، من جهة، وعلى صعيد عالمي ضمن مجموعة الدول البازغة «البريك»، من جهة أخرى. وللبرهنة على صلابة فرضيات العمل التي ينطلق منها الكاتب يحشد كثيراً من الأرقام والوثائق، للدلالة للإقناع بصحة التعميمات التي تأدّى إليها في نهاية تحليله، ووصفه لقصة صعود البرازيل شبه المحتوم، وتوقعه بأن تسير على هذا الطريق الواعد خلال السنوات والعقود المقبلة أيضاً. وهو في كل هذا يستفيد، بطبيعة الحال، من خبرته ومعرفته الواسعة بالبرازيل، التي يعد أحد أكثر المتابعين لثقافتها اطلاعاً وإلماماً بشؤونها، وبالتحولات التي تعرفها الآن.
ولكن على رغم الرؤية الإيجابية الاحتفالية بقصة صعود البرازيل، وبزوغها الذي أورده في المؤلف في عنوان كتابه بصيغة الفعل الماضي المتحقق «بزغت» وليس بصيغة المضارع (الحاضر والمستقبل) «تبزغ»، إلا أن هذا ينبغي أيضاً ألا يجعلنا ننسى أن صفة البزوغ، التي تطلق على دول «البريك» ما زالت هي أيضاً عبارة غائمة وشبه عائمة، وتكاد تتحول أحياناً في سياق التداول الإعلامي إلى عبارة خشبية متفلتة من أي تعريف أو توصيف محدد المعنى، دقيق الدلالة. وفي معظم الحالات يفهم من المقصود بكلمة «البزوغ» تحسن حصول تحولات واسعة في الأحوال الاقتصادية والدخول على خط المنافسة في الأسواق الدولية، وإن كان يصعب أيضاً وضع حدود مفهومية لصفة البزوغ، في حاليها الناجز أو قيد الإنجاز، لأن ظروف كل واحد من البلدان الموصوفة بهذه العبارة تختلف عن غيره من البلدان الأخرى الشريكة معه في هذا التصنيف والتوصيف. وفي حال البرازيل تحديداً، التي اعتبر الكاتب أن قصة بزوغها الاقتصادي والسياسي مكتملة وناجزة، ربما يلزم التذكير أيضاً بأن لهذه القصة بقية، وفيها أوجه ضعف مثلما أن فيها أوجه قوة. ولئن كان من ضمن أوجه القوة: التنوع الاقتصادي والصناعي وكثرة الموارد والسكان، إلا أن ثمة في المقابل أيضاً العديد من نقاط الضعف المعيقة للإقلاع حتى الآن في البرازيل مثل: عدم اكتمال البنية التحتية، ومشكلات النقل والمواصلات، واتساع التفاوتات الاجتماعية أحياناً بشكل خطير، وغير ذلك كثير.
حسن ولد المختار
-----
الكتاب: البرازيل.. بلاد بازغة
المؤلف: هيرفي تيري
الناشر: آرمان كولين
تاريخ النشر: 2014