الأميركيون والقلق على المستقبل
أقول لأولئك الذين يهجرهم النوم وهم راقدون في فراشهم خوفاً من حرمانهم من تأمين الرعاية الصحية أو بسبب حالة الاقتصاد والشعور بالانقسام في الآراء والمواقف مع جيرانهم، إن هناك سبباً واحداً على الأقل للشعور بالطمأنينة، وهو أن جيرانهم أيضاً محرومون من نعمة النوم الهانئ.
وأثبت استطلاع آراء حديث أجرته «الرابطة الأميركية للطب النفسي» أن ثلثي الشعب الأميركي أو ما يعادل (63 في المئة) منه، يشعرون بالقلق على مستقبل بلدهم. وتم إجراء هذا الاستطلاع في شهر أغسطس الماضي، ونشرت نتائجه يوم الأربعاء الماضي أيضاً.
وهذا القلق على مصير أميركا يتقدم على مشاعر متنوعة أخرى، مثل الخوف من الفقر (62 في المئة)، وفقدان الوظيفة (61 في المئة). وعبر (73 في المئة) من المواطنين المؤيدين للحزب الديمقراطي عن شعورهم بالقلق مقابل (59 في المئة) للمستقلين، و(56 في المئة) لمؤيدي الحزب الجمهوري.
وعبّر (59 في المئة) ممن استطلعت آراؤهم عن خوفهم من ظاهرة الانقسام الطبقي الاجتماعي واعتبروها سبباً لقلقهم. وعندما أجرت الرابطة استطلاعاً مشابهاً قبل عام، عبرت نسبة (59 في المئة) عن قلقها من طريقة إدارة الحملات الانتخابية الرئاسية. ومنذ ذلك الوقت لم تتوقف مؤشرات القلق عن الارتفاع.
والغالبية العظمى من الذين استطلعت آراؤهم وبلغ عددهم 3400 مشارك أو ما يعادل (59 في المئة) قالوا إنهم يشعرون بأن الوضع الراهن هو الأسوأ في تاريخ أميركا وفقاً لما يتذكرونه. وتشترك في هذه المشاعر أجيال مختلفة، وبعض المشاركين في الاستطلاع شهدوا الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام وأحداث 11 سبتمبر. وقال (30 في المئة) منهم، إن الإرهاب مشكلة تستحق الاهتمام، ومن المؤكد أن هذه النسبة ارتفعت على خلفية الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له نيويورك يوم الثلاثاء.
وقال آرثر إيفانز مدير رابطة الأطباء النفسانيين: «تكونت في أذهاننا صورة تشير إلى أن الناس تشعر بالقلق». وأشار إلى أنه لم يتم سؤال المشاركين في هذا الاستطلاع عن رأيهم بإدارة الرئيس دونالد ترامب، لأن الاستقطاب الاجتماعي في أميركا ظاهرة تفوق من حيث الأهمية والخطورة مجرد النظر إلى الأشخاص أو الأحزاب السياسية.
وأرجع (47 في المئة) من المشاركين سبب قلقهم إلى الحرمان من حق الرعاية الصحية. وقال (35 في المئة) منهم، إن السبب يعود للمسيرة المرتبكة لاقتصاد بلادهم، ويعزو (31 في المئة) منهم سبب القلق إلى عدم الثقة بالحكومة، وتقف الجرائم المتكررة وراء شعور (31 في المئة) منهم بالإحباط والخوف.
وأشار إيفانز إلى أنه استنتج من هذا الاستطلاع وجود علاقة وثيقة بين القلق والحرمان من الرعاية الصحية، وقال: «بات مطلوباً من صنّاع السياسات أن يتفهموا القضية الأساسية، وهي أن القلق بحد ذاته يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية للأشخاص».
وقالت غالبية المشاركين (56 في المئة)، إنها تريد أن تبقى على دراية تامة بحقيقة ما يحدث، إلا أن سلوك الصحافة يدفعهم للشعور بالقلق. ورأى (71 في المئة) منهم أن الصحافة تضخّم الأشياء وتعطيها أكثر من حجمها الطبيعي.
وبين استطلاع الرابطة أن مشاعر القلق لا تتساوى عند الجميع. وعادة ما تكون النساء أكثر ميلاً للقلق. وخلال هذا العام، أظهرت النساء زيادة طفيفة في مستوى القلق مقابل انخفاض طفيف في هذا المستوى عند الرجال.
وكان للتقسيم العرقي دوره في إصابة الناس بالقلق. وفيما كانت مستويات القلق في أوساط السود وذوي الأصول الإسبانية قد شهدت عام 2016 انخفاضاً عما كانت عليه قبل ذلك، إلا أن هذه المشاعر تفاقمت في المجموعتين هذا العام (2017).
وأشار التقرير أيضاً إلى أن الأميركيين عادة ما ينجحون في العثور على طريقة للتغلب على الأحاسيس السلبية، وتبيّن من الاستطلاع أن (53 في المئة) منهم يمارسون التمارين الرياضية وبعض النشاطات المفيدة الأخرى للتغلب على القلق. وفي مثل هذه الحالات، يكون للمساعدة الاجتماعية دورها المهم في هذا الشأن.
وكان الاستطلاع المتعلق بالقلق قد تم إنجازه بالتعاون بين مؤسسة «استطلاعات هاريس» و«الرابطة الأميركية للطب النفسي»، ونشرت نتائجه على الإنترنت. وتم الأخذ باعتبارات مهمة عديدة أثناء إجرائه، مثل نوع الجنس (رجل أم امرأة)، والسنّ، ولون البشرة (أسود أم أبيض)، والعرق أو الأصل الإثني، والدين، والمنطقة، ومستوى التعليم والدخل الأسري.. من أجل الوصول إلى أكثر النتائج دقة فيما يتعلق بالمشاكل النفسية التي يتعرض لها الأميركيون.
ـ ـ ـ ـ
دينا شانكير*
*محللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»