لقد أطلق العرب على أرسطو اسم المعلم الأول. وكانوا على حق في ذلك، على الأقل في مجالات كثيرة على رأسها النقد الأدبي. ولا أدل على ذلك من أننا لم نسمع عن ناقد أدبي كبير منذ النصف الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد إلا وقرأ كتاب فن الشعر أو البويطيقا الذي هو أقرب في معناه من المعنى الواسع لما أصبح يسمى “علم الأدب” في هذا العصر. وأنا شخصياً عندما أسمع عن كتاب أرسطو، أو أعاود تذكره من بعيد، ترد على ذهني مصطلحات ثلاثة: المحاكاة، والهاماتريا، والبعد الجمالي. وقد فهم أرسطو الأدب على أنه محاكاة للواقع. وكان أقرب الفنون في ذهنه لتوضيح معنى المحاكاة هما الرسم والنحت، داخل عائلة الفن الذي ينتمي إليها الأدب. ولما كان منهج أرسطو شكليا بقدر ما فيه من موضوعية، تجعله محايدا إزاء الظواهر التي يتأملها. فقد ذهب إلى أن الفن بعامة والأدب بخاصة يحاكي العالم الخارجي (الواقع) بما فيه من احتمالات ثلاثة لا يوجد غيرها، أولها أن يصف العالم أو يحاكيه كما هو، وقد رأى هذا يحدث في عدد كبير من اللوحات والتماثيل التي تحاكي موضوعاتها المتلقي، كأنه يراها. والاحتمال الثاني، أن يحاكي الأدب شخصيات العالم على نحو أسوأ مما هي عليه، والناتج هو الكوميديا التي تصور شخصيات أخس من البشر العاديين. وقد يحدث العكس ويقدم الأدب شخصيات أفضل من البشر العاديين. وهذه هي التراجيديا. ولا أريد أن أسترسل في التفاصيل. يكفي القول بأن الكلام عن المحاكاة والمفاهيم المختلفة لها يمكن أن تكون موضوعا لا ينتهي الحديث عنه في مجلدات. أما المصطلح الثاني الهاماتريا أو السقطة، فهو يشير إلى أن كل بطل ينطوي على نقطة ضعف تكون فيها نهايته أو سقطته القاتلة. والمثال المشهور على ذلك كعب أخيل، فقد أمرت الآلهة أمه بأن تغمسه في ماء نهر مقدس، وذلك سوف يحمي جسده من كل سوء. وفعلت الأم ذلك وغمست ابنها في الماء ما عدا كعبه الذي كانت تمسكه منه وهو في الماء. وعاش أخيل البطل الذي لم يقهر إلى أن حدثت حرب طروادة، وجاءه سهم قاتل أصاب كعبه فأرداه. ومعنى التمثيل في هذا المجال أن البطل الدرامي الذي يأخذ كماله بالألباب عادة، ينطوي على شيء، ربما سقطة ارتكبها في ماضيه، أو سر لا يعرف عنه شيئا، فإذا تكشفت السقطة أو عرف السر، حدث دمار البطل. أما المصطلح الأخير، فهو أن الموضوع المحاكي لا يدخل في دائرة الفن إلا إذا وقع على مسافة جمالية تتيح للفنان ولنا إبراز جماله؛ فالشجرة في اللوحة الجميلة لن نراها كذلك إذا قربنا أعيننا منها كل القرب، أو إذا بعدنا البعد الذي يحول بيننا والرؤية. ولذلك فلابد من مسافة جمالية بيننا والموضوع الجمالي المدرك، هذه المسافة سر مضاف في عملية إدراك الموضوع الجمالي، ابتداء من إبداعه إلى تلقيه.