العبارة هي خيال الظل، وربما قلبت فأصبحت ظل الخيّال، وبالتشديد على كل من اللام والياء في الكلمتين. وهي عبارة تقنية في الأساس وليست مطلقة، فنحن هنا حين نحاول إطلاقها، أي تجريدها من مناسبتها وموقع ورودها التاريخي، فإننا نعيد ابتكارها.. أي ندخلها في المخيلة من باب اقتران الصورة باللغة. “خيّال الظلّ” أو “ظلّ الخيّال” (على قول أبي نؤاس)، هو وَتَد مرتفع يعلوه غطاء وربما صنع له يدان ممدودتان، فهو في الأصل ما يُسمى بالفزّاعة.. أي ذاك الشبح المصنوع لإخافة اللصوص والوحوش والطيور، والمغروس في الكروم أو الحقول، حفظاً للثمار من أن تُسرق. ابن دانيال كان يرى في خيال الظلّ نظراً لاستطالته وشكله، شبهاً بالعضو الذكري. وعُرِف خيالُ الظلّ في القصص الشعبية المتمحورة حول ما يسمى “خيمة كراكوز” أو “أراجوز” بالعامية. وهي تُقرأ بتشديد حرف الياء في كلمة “خيّال” لا بإرخائها بالفتحة. إنه الخيال من كثرة ركوب الخيل، وليس الخيال من المخيلة. وظلُّ الخيّال صورة محسوسة تدخل في المفهوم الواقعي، ومثلُها خيّال الظل، وكلاهما صورة تمتّ للتمثيل والمسرح وتالياً للسينما بصلة.. لقد مثّل عمر الشريف، على سبيل المثال فيلماً معروفاً باسم “الأراجوز”. هذه هي المعاني المستفادة على العموم من خيّال الظلّ أو ظلّ الخيّال بالمفهوم الشعبي. لكنْ: ماذا لو أرخينا الياء في كلمة خيّال، وحركناها بالفتحة فصارت “خَيال الظلّ” وعكسُها “ظلُّ الخَيال”؟ من خلال هذه اللعبة الطفيفة في تغيير حركة في كلمة، يمكن أن نقع على احتمالات صور ومعانٍ كثيرة مبتكرة.. تمتّ للشعر والمخيلّة بصلة، وتقطع صلتها بأصلها الشعبي والتاريخي. ونبدأ بخيال الظلّ. فكيف يمكن أن يكون للظلّ خيال؟ فالظلّ معطى أثيري طيفي غير ملموس، ولكنه مرئي ومتحرك ويكاد يشبه الضوء.. وهو يمتّ بصلة إلى عالم الطيف أكثر مما يتصل بالجوامد.. فكيف لهذا الطيف أن يكون له خيال؟ التركيب سريالي بلا ريب، ولكنه جميل وموحٍ.. فإذا قلبنا أو عكسنا، لننظر في ظل الخَيال.. لتحصل بين يدينا ما هو أكثر غرابة ورهافة من خيال الظلّ. قد تكون القصيدة مثلاً ظل خيال. قد تكون الأحلام بكاملها ظلالاً للخيال. قد يكون الأثر العابر الخفيف اللطيف الطيفي هو ظلّ خيال... وهكذا وهلمجرّا إلى آخر فنتازيا اللغة والصورة والمخيلة.