الكليشيه cliché كلمة فرنسية تعني لغوياً صيغة مبتذلة أو عبارة مثيرة لكن فقدت قيمتها من كثرة الاستخدام. فأصبحت فارغة المعنى. مثل الكثير من العبارات الشائعة التي صارت تُردد دون أن تعني شيئاً. مثل «وجهك كالقمر»، «خدودك كالتفاح»، «هذه المسألة أكل عليها الدهر وشرب»، «الفلوس مش كل حاجة في الدنيا» الخ.. لكن كيف سقط السؤال عن الحال في فخ الكليشيهات؟. تلتقي بأحدهم يسلم عليك ويسألك كيف حالك، ثم قبل أن ترد تجده قد غير الموضوع أو مضى في حال سبيله دون أن ينتظر منك إجابة. «مرحباً كيف الحال» صار مجرد كلام مرسل وليس سؤالاً يحتاج إجابة، لا أحد يريد أن يعرف حقاً كيف حالك. طبعاً الإجابة تحددها طبيعة العلاقة بينك وبين السائل، فإذا كان في لقاء رسمي فـ «كيف الحال» بالطبع لا يُرَدّ عليها بأكثر من «جيد شكراً». ولكن حتى على المستوى الشخصي لم تعد تشكل فرقاً. اعتدتُ أن أرد، بل وأتحرى الدقة في الرد، كأن أقول مثلاً «جيد لكن لم أنم البارحة فأشعر كأني أطفو بين الصحو واليقظة»، لاحظت لاحقاً أن لا أحد يستمع بعد الكلمة الأولى. بالنسبة لي السؤال عن الحال هو مفتاح لحوار شخصي قائم على توافق واهتمام مشترك بين أفراد مستقلين يعوّلون على يقظة الحواس لفهم الحياة. لكن حتى «الحوار» أصبح من الممارسات الإنسانية المنقرضة. استعاض الناس عامةً عن الرد على سؤال الحال بقول «الحمد لله» وإن أرادوا أن يستطردوا لإضافة ملمح عن الحال يضيفون بعد الحمد عبارة «على كل حال». هنا نعرف أن الحال «مش ولابد» لكن لا وقت للخوض، فكل إنسان لديه ما يكفيه من هموم الحياة. كل فرد غارق في حال نفسه، فحالك ليس بالضبط ما يعنيه. أحب شخصياً أن لا ألُقي أي سؤال إلا إذا كنتُ بالفعل أتوقع له إجابة. لذلك لا أدخل عامة في معمعة السلام والترحيب الذي يقال فيه كلام كثير وسلامات لا يرد عليها أحد وأسئلة عن الحال لا تنتظر إجابات. فإذا سألتك عن حالك فلأني أريد أن أعرف وليس لتعبئة فراغ في حوار مفرغ من المضمون. الكلام بالنسبة لي طاقة. ووقت. وجهد. هو زمن مستقطع من العمر. هو صيغة تواصل. جسر نعبر عليه إلى إنسان آخر، مثل الكلمة المكتوبة والصورة المعروضة، الاختلاف فقط أن في الكلام يكون التواصل شخصياً معنيّ به أحد بعينه، وهو الشخص الذي «تتكلم» معه. يصير شيء مؤسف وعبثي حين تكتشف أن من كنت تمارس معه هذا التواصل المباشر لم يكن يستمع أساساً. كان يعبث بجهاز هاتفه الذكي، يرد على أسئلة تصله من أصدقاء ومعارف في أصقاع الأرض، ولكن لا يهمه أن يرد على سؤالك أنت الجالس أمامه، وربما فقط يكون سارحاً في المارّين أمامه في الشارع، ولكن ليس فيك أنت الذي استقطعت من وقتك، وجهدك، وطاقتك، ومحيط بصرك لتجلس معه وتعرف أحواله. أو ربما غارق في أفكاره الخاصة، في جدول أيامه، فيما عليه أن يفعله في الغد وبعد غد، الناس عموماً صاروا لا يأبهون، هناك شيء من اللامبالاة بالمحيط المباشر بهم، وثورة التكنولوجيا ساهمت في شغل أذهان البشر، فهناك رسائل البلاكبيري مسنجر، ورسائل الواتساب، وتعليقات الفيسبوك، وتغريدات التويتر، وفي خضم كل هذه الضجة من لديه وقت ليسمعك؟. الخوف أن يسقط الوجود كله يوماً في فخ الكليشيه، فنكون مجرد حدقات لا تبصر، وجماجم لا تعقل، وألسنة لا تنطق، وحياة لا دور لنا فيها سوى الفرجة الفارغة. Mariam_alsaedi@hotmail.com