أن تبدأ العام الجديد بالمطر وزخاته الجميلة وبرده الخفيف العذب، فإنها البشارة المأمولة أن يكون عاماً مختلفاً وجميلاً، طال انتظار السحب والمطر وبعد غياب يأتي كالعيد لتزدان المدينة بالابتسامات والفرح، لا شيء يشبه المطر في بعث التداعيات الجميلة داخل الأنفس ولا بهجة تهل على الناس في سماع قطرات المطر، هذا البديع واهب الحياة والسعادة والأمل، الغيث الذي يمد الأرض بالاخضرار والجمال وتزهر الحقول ويزيد من روعة وجمال الجبال والصحاري والسهول، عام مضى من دون أن تأتي قطرة ماء على المدن الساحلية، طال الانتظار، ولكن كالوعد الجميل لا بد أن يأتي يوم ويهطل المطر وما أجمل الشيء عندما يأتي بعد ترقب وشوق إليه، لا لشيء غير أن ينعم الناس بالأجواء الجميلة التي يبعثها الغيث والمطر قد لا يكون لديك مزارع أو حقول أو «حلال» إبل وأغنام وأبقار، ولست صحراوياً تتتبع اخضرار المراعي وتنتقل حيث يسقط المطر، ولكن يسكنك حب الماء والمطر، مجبولاً على حب الحياة وموسيقى تلك القطرات التي تتساقط على سقف منزلك أو أنك تعشق حبات المطر التي تنقر على زجاج سيارتك وأنت تقطع الطريق أو أن المطر يعيد إليك ذاكرة الطفولة البعيدة وأنت تخرج في عارضة الدروب والطرقات المفتوحة أو حتى سكيك الحارة، تستقبل المطر بصدر عارٍ أو تحت غطاء خفيف أو مظلة صغيرة ملونة، إنها ذاكرة جميلة لأطفال أهل الصحاري والسواحل في مدن الخليج العربي، كلهم يتشابهون في حب المطر وفرحة الغيث إذا انهمر، لا يبالون بالبرد أو الرياح أو رمل وطين الأرض، ولا يهتمون بالبلل، المطر عيد يهل بغتة، ويخرج عشاقه لملاقاته في الطرقات أو حتى السعي إلى أماكن سقوطه في القرى والجبال والصحاري والسهول.
المطر حفرت قطراته أخاديد وأنهاراً ووشماً دائماً في ذهن وعقل الإنسان العربي منذ فجر التاريخ هو رمز الحياة والوجود، هو المعنى والفجر الذي توعد به الحياة، هو النماء والبناء والعمل والأمل والرجاء، كل القصائد والرموز القوية لمعنى التحدي أو الولادات الجديدة والزهو والفرح والسعادة حملها المطر، في الأحرف والكلمات والجمل عبر إرث طويل من أدبيات العرب على مختلف أصنافها، لا شيء يوازي المطر في ذهنية الإنسان العربي وعلى الخصوص الصحراوي، المطر هو الحياة والغيث رحمة واسعة، هذا ملخص ما يسكن عقل الناس جميعاً. قطعت الطريق إلى الأماكن الداخلية من الإمارات، حيث الجبال لأبدأ العام الجديد من هناك، المطر يغسل الطريق وقطرات المطر موسيقى على الدرب الطويل، والسحب تعانق قمم الجبال خلتها تحط على قمة ذلك الجبل العالي، تنوع لون السحب بين البيضاء أو الفضية أو السوداء الداكنة، والتي تسقط المطر مدراراً، ثم تجري المياه من سفوح الجبال إلى الطريق ويزداد اخضرار تلك الشجيرات التي تسكن الجبال، تبتسم الأرض وتفرح الصخور الجافة بالماء/ المطر، تنير الطريق بين فترة وأخرى أضواء البرق التي تظهر خلف الجبال، وكأنها سيوف بيضاء ولامعة ومسلولة يتداخل الجمال والمشهد، أرفع صوت الموسيقى بالسيارة لتكتمل الصورة البديعة، تأتي اللحظة وجمال المسرحية أو المشهد، وكأنه يوم عيد في عام جديد. أُخرج كفي للريح والتقط حباب المطر، ثم يجري نهر في يدي وتنبت في الكف الآخر زهرة حمراء.


