الأنانية المرض الخبيث الأخطر على البشرية، وهي المخدر الأقوى تدميراً للذات والآخر.
لو لاحظنا أطفالنا، وكيف يتعاملون مع رفاق لعبهم، وكيف يتم انتزاع اللعب من الأيدي وكيف يشتعل الصراع بين المتخاصمين، وكيف تذرف الدموع حسرة على ضياع «الحقوق»، زوراً وبهتاناً، بسبب طغيان الأقوى على الأضعف أو الأكبر على الأصغر.
نماذج يومية نشاهدها في بيوتنا، ومعارك طاحنة تدور رحاها بين الأطفال، وأحياناً قد يؤذي بعضهم الآخر، لأن الأنانية تقف حائلاً دون إيقاف نزف تلك الحروب الدموية، ولأن أولياء الأمور يرى بعضهم أن إشعال الصراع بين الأطفال تصرف سليم، لأنه ينمي فيهم روح المغامرة والشجاعة وعدم الخضوع، وهذا اعتقاد خاطئ لأن الإحساس الدائم بالمظلومية، والهجوم على الآخر، لهو الطريق المعبد الذي يؤدي إلى تنامي الروح العدائية لدى الصغار، والذين يتحولون إلى جمرات حارقة، قد تحرق المحيط الاجتماعي، وتؤذي الآخرين.
السكوت أو تشجيع مثل هذه التصرفات، أنه حالة عدم التوازن في العربية التي تحدث في محيط الأسر، وذلك نتيجة لعدم الوعي أو هو بسبب دوافع لا شعورية من قبل أولياء الأمور، والذين يرون في عدوانية صغارهم، تعويضاً عن إحباط تاريخي يلازمهم، وإحساس بالنقص لأسباب تتعلق بحياتهم في الماضي.
وللأنانية صور وأشكال ووجوه متعددة، وتبرز في صنوف متعددة من الألوان والتعبيرات النفسية، يخرجها العقل الباطن بذكاء خارق ومدهش، وتبدو هذه التصرفات وكأنها بدهية، وغير مقصودة، ولا ترتبط بتاريخ ما، ولكن عندما نتمعن في تصرف ما، ونبحث في الجذور، نجد أن لا شيء يأتي بالمصادفة، وحتى المصادفة، هي نتيجة لالتقاء سلسلتين من الحتمية.
والصراع البشري، والتزاحم على الأسبقية حتى في قيادة السيارات في الشوارع الفسيحة، والتجاوزات التي تحدث من قبل السائقين، لهي تعبير مباشر أو مبطن عن الأنانية التي تكتنز بها روح البشر، والذين يفتقدون الكثير من الوعي، ويحظون بالقليل من الشفافية.
نماذج متنوعة ومختلفة من الانحرافات السلوكية تبرز في أماكن متعددة، تسفر عن نوازع نفسية مشوبة باختلالات في التعاطي مع الآخر، وهي الاختلالات القادمة من منطقة اللاشعور، تطفو على السطح في دروب الحياة.
والأنانية لها طرائق وسبل مختلفة، يعبر من خلالها الأشخاص المصابون بداء الأنانية المريرة، ومهما بذل الأشخاص في تبريرها، والتماس الأعذار، يظل أصل المشكلة مرتبطاً بحبل شوكي كامن في الذات، ويعبر عن سوء تغذية حقيقي لذات مرت بظروف قاسية، وتربية سيئة في مرحلة من مراحل حياة الأفراد الأنانيين.
وما نطلق عليها ظاهرة التنمر، ليس إلا نتيجة حتمية لتلك التنشئة الركيكة والضعيفة والمريضة التي ينتج عنها هذا السلوك أو ذاك.
ولكي نحمي أطفالنا من هذا التوعك النفسي، يجب أن تكون البداية في صواب نفس المربين، لأنهم البئر التي يشرب منها الأبناء.
فوراء كل شخص مريض، طفولة معذبة، وتنشئة خاطئة، وعلاقة غير ودية بين الأبناء والآباء.