متولهاً، قلتُ أركضُ نحو النبع لعل من ظمأ سترويني الذكريات، وأنتمي من جديد لبراءتي وطفولتي. هكذا حملتُ عجينة الحزن ورميتها في الوحل، قلتُ أنا والضوء شقيقان ومن فرحٍ إلى فرحٍ ينبغي أن نسعى. فتحتُ في البداية دفتر العمر ومسحتُ آهاتٍ دونتها في الصغر، ثم مسحت (يا ليت) وتكرارها. وإمعاناً في التطهّر رحتُ أكشط مترادفات الحزن وكانت البداية بكلمة (الأسى) التي مزقتها بمقص ورميتُ فُتاتها في النار لكنها لسعتني. ثم بمطرقةٍ رحتُ أضرب كلمة (الكآبة) لعلها تذوب ويميعُ سوادها. لست ابناً للحسرة حتى لو فاتني ألف قطار، ولم تكن روحي لتقبل أن يعكرها نكدُ المتذمرين من الحياة. ما ولدتُ إلا لأركض في مستطيل الأرض مكتشفاً ومفككاً هذا الوجود لغزاً لغزاً. أسابقُ الغزالة وهي طريدتي، وأستنطقُ النجمة ليلاً، مصغياً لسرد الكون في صمته وسرد النور في تجليّهِ.
سيمرُّ دهرٌ، وأنا قابع في الذهاب وحده. أحمل في يدي جرساً لإيقاظ البهجة أنّى غفت، ممتلئاً بالصوت الذي يهدرُ بالموسيقى إذا تعالت ألسن المتنابذين، مذكراً القلوب بأن هناك، في العمق الصافي لوجودنا، وحدة ما تكتملُ بالنغمة العذبة، وبصوت الخرير، وبالإصغاء إلى الصمت الذي يسكننا جميعاً. وإذا رأيت اثنين يحملان السكين ويتنازعان على الثمرة الفاسدة، أضع بينهما مرآةً ناصعة لعلهما يكتشفان الجوهر الذي منه جئنا.
مرةً، جمعتُ الفلاسفة في قاربٍ وسألتهم: في أي اتجاه مرسى النجاة؟، وكان البحر يومئذٍ يستكينُ في مدٍ ناعمٍ، والماءُ أملس، والرحيل فكرةٌ صاعدة. لم يكتب الفلاسفة وصايا لأحفادهم، لأن الريح سوف تسرقها لا محالة، وكل ما فعلوه أنهم أغمضوا عيونهم حين ارتفعت الشمس وأشاروا إليها بأيادٍ مرتجفة، وبتنهدات شوق، حتى ظننتها عروسهم. نعم، أدرك الآن أن الذهاب إلى الضوء هو غاية كل حي، أما القبول بالعتمة، وبالتمرّغ في الغموض والمتاهة، فهو عادة الميت المدفون في الجهل والغارق فيه.
آهٍ لو أتحرر من سلاسل الخوف مندفعاً باتجاه صفاء عينيها. وأقصد المرأة التي اسمها الحرية، ومن حولها الحراسُ، ومن حولهم الأسوارُ، وهم جيشٌ وأنا فردٌ على شكل فكرة لا يحدّها قفصٌ ولا يطعنها السيف. وآهٍ، لو أصل يوماً إلى بحيرة الكشفِ لأرى انعكاس ضوء الحقيقة على مياهها، هناك سأغسل وجهي من كل أقنعتي وأصير فضياً من جديد، وربما يولدُ اسمي في فم أغنية مسافرة.


