العالم اليوم في أمسّ الحاجة إلى التعاطف مع العقل الرزين، وحكمة التواصل مع الآخر، ومن دون تشنج، من دون فيض الشعارات، من دون تعريف مغلوط للعلاقة مع الآخر. 
في قرننا الحادي والعشرين، أصبحت بدائية العقل تهيمن على المواقف والسلوك، وصار الإنسان الحديث يلعق من الشهد المر، ويستمر في الغلواء، وكأنه نسي العقل في أدراج فوضى الحواس، والموج العارم لأخلاق ما بعد العقل، وما قبل الوعي، ولا زلنا اليوم نجترُّ ما أرساه فيلسوف التنوير جان جاك روسو، القائل (الأفكار المسبقة مفسدة للعقل)، والعالم يتسابق اليوم في تفصيل قمصان الغيبية الفجة، ويغزل قماشة النوايا المبيتة ويرسم صورة قاتمة للإنسان الحديث الذي تمنى له فلاسفة الوعي الواسع أن ينعم بطمأنينة النفس، وشفافية الروح، وأريحية العقل، ومن دون إفراط، ولا تفريط، ولكن.. لكن يبدو أن قارب النجاة من نيران العبثية، قد غرق في محيط العنجهية، واستبدت الموجة العارمة بفرح أطفال اليوم رجال المستقبل، لأن هناك في معاطف الحاضر، من تستهويه الألعاب النارية، ويعشق الضرب على دفوف الفقدان الأليم، ولا يريد أن يخلع قبعة الشمس الحارقة، ولا يمكنه فعل ذلك، لأنه صانع اللظى، وجاعل الوقت مثل سكاكين تفض عقال العقل، وتمضي به في دياجير الجهل، وعتمة الإدراك، واللاوعي هو ذلك المارد الذي يحرك أقانيم الزمان، والمكان، ويحيق بمستقبل الأجيال، ويعبث بحقائبهم المدرسية، ويجعل منها مفخخات، ولا زلنا نأمل بألا تستمر هذه الدوامة، وألا تصير حالة استدامة لمن يكرهون الحياة، ومن لا يرون في المرآة غير صورة ونعوش محمولة على أكتاف يتامى، وأرامل، وثكالى. 
هكذا أصبح الواقع العالمي، هكذا تخيم عليه مظلة من قش الخسارات الكبيرة، عندما غادر العشاق الحقيقيون، وأصبحت القصائد ليست أكثر من جنائز ملفوفة بأبيات حزينة، متشائمة حتى نخاع العظم، بينما الحياة جميلة، ولا تستحق كل هذا التنكيل، ولا هذا التمثيل، ولا هذا التقليل من شأن الجمال في حياة بعثت للإنسانية بعيش الكرامة، بما تعنيه الكلمة، وما تدل عليه رائحة الوردة، ولون الفراشة، وبراعة النحلة. 
ويا ليت هذا العالم يتخلص من شؤمه ولؤمه، ونقمته على نفسه، ولعنته للنعمة التي حباه الله إياها، فسوف يعيش بلا خسف، ولا نسف، ولا عسف، سوف ينال رضا نفسه، ويعيش مكرماً معززاً، بين كفوف رحمانية وديعة، تلهمه العطاء بكل ما تعنيه الكلمة من معنى ومن دلالة، سوف تهواه الأرض التي يمشي عليها، وتجله، وتُعلي من شأنه، لأنه أحبها وحافظ عليها، ولم يدنسها بشعار ولا سعار ولا غبار، نقول فقط أحبها، لأن الحب هو اليد الطولى لمشاعر البناء والتعمير، وهو ترياق الوصول للطمأنينة. 
بالحب وحده نصل، ونحقق أمنياتنا وآمالنا، وتطلعاتنا، ولا تنكسر العِصي إلا إذا خاب من يستعملها، وفشلت نوايا حراس النوايا السيئة، والذين يعتاشون على الأفكار القذرة، كالطفيليات، وهم الذين يجعلون العالم تنانير تطهو أكباد المتعلقين بحقيقة أننا بشر، وعلينا أن نتضامن من أجل كوكب عامر بأهله ساهر على حماية منجزات حضارته، مسهب في تنمية أواصر القربي بين غرب وشرق، ومن دون التفاتة إلى طائفة أو عرق. 
حقيقة نحتاج إلى وقفة تأمل، كي نعرف أن العالم بحاجة إلى العقل، كحاجته إلى الماء والهواء.