موجة جديدة غير مسبوقة في تاريخ الشعر العالمي دشّنها الشاعر الأميركي والت وايتمان في عام 1855 عندما أطلق قصيدته الشهيرة «أغنية نفسي»، لينقل التجربة الشعرية من تخوم التصورات الكليانية والمطلقات والأساطير إلى الاهتمام بالتفاصيل اليومية والمشاهدات التي تجري على الأرض. ومن يستغرق في تلك القصيدة، لن يجد أوصافاً عن الحب والرومانسيات والبطولات، وإنما سيعيش مشاهدات الشاعر، وهو ينتقل بين القرى والمدن والأرياف الأميركية، واصفاً ما يراه من بناء العمال للجسور وهياكل الحديد، وانطلاق الخيول في البريات الشاسعة، ولعب الأطفال والمهرجانات الشعبية في شوارع المدن، التي كان يسميها بأسمائها وبأحيائها أيضاً وبالأخص مدينته نيويورك، وقسّ على ذلك من وصفه لما يحدث في كل ركن وزاوية من المجتمع، مازجاً ذلك في لغة شاعرية عذبة تستنطق الوجود وتمجد الإنسان العادي. وبذلك رأى الشعراء في الولايات المتحدة، أن هذا النَفَس الشعري هو الذي يمكن أن ينقل صوت الإنسان في المجتمع الجديد الحر، كونه يقدم وثيقة أدبية للحياة العامة.
سيمتد أثر هذا الشاعر عميقاً في صلب الثقافة الأميركية، عندما سيأتي في عام 1914 الشاعر كارل ساندبيرغ، ويكتب قصيدة «شيكاغو»، واصفاً فيها حياة العمال والضجيج والصناعة والطاقة ومسترسلاً في كشف مكامن الفقر والجريمة وغيرها، لكن القصيدة تظل تعتز بهذه المدينة، التي تتنفس وتضجّ مثل كائن حي، وعلى هذا المنوال سيخرج لنا جيل آخر مهم شكّلته حركة شعراء (البِيت) الذين عبّروا بشكل صارخ عن حياة أبناء المدن الأميركية وبالأخص قصيدة (عواء) لآلن غينسبيرغ، التي نقلها لنا مترجمة للعربية الشاعر سركون بولص. وفي جميع تلك النصوص كان الشعر يعبّر عما يحدث على الأرض متخلياً عن الترفّع والبروج التي تسكنها النخب.
سيتطور الأمر أكثر بانتقال هذا (النَفَس الجديد) إلى الرواية، وسيقدم جاك كرواك في عمله السردي (على الطريق)، تجربة روائية تقرأ الحياة الأميركية، وتصف مشاهداتها على الطريق السريع، وبالإضافة إلى المدن سيركز كرواك على الهامشيين والبوهيميين والمتسكعين والموسيقيين وغيرهم، وسيكتب على نمط وايتمان الشعري ولكن بصيغة سردية.
نصل إلى ذروة هذا الأثر بحصول الشاعر والمغني الأميركي بوب ديلان على جائزة نوبل للأدب 2016، وهو الذي استلهم كل هذا التراث الذي دشّنه وايتمان ونقله إلى الأغاني الشعبية (Folk) سارداً القصص الشعبية بأسماء الأشخاص والأماكن والأيام والأحداث، وتعد أغنيته (في مهب الريح) مثالاً على هذا الشعر القريب من الأرض والناس.