من الأشياء التي كانت تغضب السيدة «ماكلين»، وكانت تستغرب منها حين تعود من عملها، أنني أستحم، وأغسل شعري يومياً، حاولت أن تقنعني أن هذا غير صحي لا للجسد ولا للشعر، ثم إنها غير ملزمة بتنظيف «البانيو» كل يوم، كانوا يطلبون مني الحضور قبل عتمة الليل، لأن العشاء عندهم مقدس، وفي ساعة معينة، مثل عشاء الدجاج قبل المغرب، ولأنني كائن ليلي لم أتناول معهم طعام العشاء إلا مرتين، رغم متعة الحديث وتشعبه معهم، والذي كنت فيه مجيباً، وهم السائلون دائماً عن الشرق والعرب والصحراء والبدو والجمل والمرأة والحجاب وتعدد الزوجات، وإن كان ثَمّ نفط في بيتنا، ففي عمري الصغير ذاك كنت مشحوناً بثقافة مبكرة، وموسوعية بعض الشيء، وكانت مكتبتهم بها الكثير من الأعمال الأدبية العربية المترجمة، فعندهم تعرفت على «عمر الخيام» ورباعياته.
ما كان يضايقني كثيراً من السيد «ديفيد» تدخينه الغليون ذا الرائحة العطنة، وذلك البلغم الذي أصحو على استخراجه يومياً من رئتيه وأحشائه، وتلك الفانيلة الصوفية القرمزية، التي يرتديها كل يوم، وكنت باستطاعتي أن أعد تفتل صوفها الإنجليزي من كثرة الاستعمال، وتلك اللامبالاة من المرأة التي كانت تعتقد أنني أعرف كل شيء، فمدرستي عليّ الذهاب لها وحدي من أول يوم، و«الأندر كراوند» عليّ التعود على استعماله وفهمه من شرحها السريع بإنجليزية تشبه لغة مدرسات الصفوف المتوسطة في الريف الإنجليزي، وأن ملابسي عليّ غسلها وحدي في تلك الغسالات الكبيرة العامة، والتي تشبه مصنع الثلج في العين، وأراها لأول مرة في حياتي، وتأكيدها كل يوم بعدم اصطحاب ضيوف إلى غرفتي، والفطور بانتظام، وفي الوقت المحدد، وعدم استهلاك الكثير من الماء، وإذا كنت أريد التأخر، وعدم تناول العشاء عليّ إخبارها قبل ثلاثة أيام، وإن جئت متأخراً فعليّ أن أمشي على أطراف أصابعي، وغيرها من التعاليم الانضباطية، والتي كانت تعتقد أنها تساوي الجنيهات العشرين التي أدفعها لها مطلع كل أسبوع.
ما كنت أشكو منه وخلال الأيام الأولى أنني لم أجد السكر على الطاولة، وكنت أخجل أن أسأل عنه، لقد عبثت بمطبخها بحثاً عن السكر فلم أجده، وظللت أشرب ذلك الشاي الإنجليزي من دون سكر، أنا الذي كنت أستمتع بالحلاوة الزائدة أيامها، ولما طفح بي الكيل وعجزت خيلي من التفتيش في المطبخ، سألتها بصوت خافت، خشية أن تغضب، وتعتقد أنها مصاريف زائدة عليها، والتي تحسب لها ألف حساب، كان سؤالي خجولاً، وينمّ عن عدم ثقة في النفس: لماذا لا تستعملون السكر مع الشاي؟ فردت باستغراب، ولكننا نستعمله يومياً، وها هو أمامك! جالت عيناي بسرعة على موجودات الطاولة فلم أره، وكدت أن أهز رأسي بالمعرفة الكاذبة، لكنها أنقذت سُمعتي بسحب السكرية وفتحتها، فأشارت إلى قطع بنية اللون، فخجلت أن أقول لها إن سكركم غير عن سكر العرب! تلك القطع البنية أول مرة أراها في حياتي، ولم أكن أعتقد أن هناك سكراً لونه غير أبيض! هذا مثل الرز الأسود الذي رأيته أول مرة في حياتي لاحقاً في بلدان آسيا القصوى، والذي يشبه جناح غراب، وحلفت أن لا آكله، المهم.. أنني فرحت كثيراً بوجود السكر، فقد كان الشاي بعد تلك المحادثة طيباً، وكما كنت أشتهيه دائماً. في تلك الرحلة الصيفية الطويلة والتي بدأتها بتلك البدلة أم ثلاث قطع وربطة عنق، معتقداً أن كل الإنجليز يلبسونها، وهي دليل الوجاهة، وأن لندن مدينة مقرطسة، تلك الرحلة كانت الأساس لتشكل طائر الليل الذي يعشق نهار المسافات!


