كان المشهد مهيباً، وكانت الدموع والابتسامات تتعانق كما هي الأغصان في الشجرة، وكانت الأصوات تعلو فرحاً بسلام سجى بنوره على ظلام الحرب القاتمة. هكذا أصبحت غزة بالأمس، وهكذا غدا الجائعون يحملون مشاعرهم بين الضلوع كأنها أثاث جديد لغرفة فتحت أبوابها لعهد جديد، وتتوارى أسلحة الموت، وتنبعث السواعد المكشوفة مثل أجنحة الطير، مرفوعة كأنها الصواري، شاكرة، حامدة، على رحمة الله بالأطفال والنساء والمقعدين، وكل من به ألم، والمشهد يتألق بأرواح أصبحت كأنها الأوراق الخضراء، يداعبها نسيم الحرية، ولا شيء غير السلام ونعيمه الذي يملأ السماوات والأرض قوة وإرادة، فأولئك الذين حملوا ما تبقى لهم من نثار متاع على رؤوسهم، ذاهبين إلى بعض منازل، وما تناثرت من ذكريات كانت هناك في بقاع غزة المكلومة، أولئك رجال ونساء وأطفال، بل نقول بالفم الملآن إن أطفال غزة غدوا كباراً وهم يمشون على الأقدام لمئات الكيلو مترات، متوجهين إلى أماكن سكناهم، وفي عيونهم يلمع بريق الفرح، ولأنهم لا يفكرون بأي شيء أكثر من تفكيرهم بلعبهم التي خارت تحت الركام، وبقيت أثراً من بعد عين، ولكنهم يصيحون: نريد أن نلمس أطرافها التي تطلُّ من تحت قطع الأسمنت التي تراكمت مثل هموم الفلسطيني وهو يقف على الأطلال والأمل كبير جداً بأن يوم الفرج قادم، بفضل الخيرين والطيبين، والذين لن ينسوا الطفل الفلسطيني، لن يسيحوا بعيداً عن أمنياته في بيت آمن، ولقمة حرة، ولقاء مع الأحبة. 
هذا كل ما يتمناه الفلسطيني اليوم بعد أن ناخت بعير الحرب، هذا ما يتمناه الفلسطيني اليوم وهو يقف على بقايا ما تبقى من أثر لبيت كان هنا، في بيت لاهيا، وفي جباليا، وغيرها من أرض غزة، والتي تحمّلت ما لا تتحمله الجبال الشّمّ، من قصف ونسف وتعسف، واليوم قد حان الوقت للفرح بعد انجلاء بؤس الفقدان، وبعد أن تقهقرت حاملات الموت الرهيب، اليوم يفرح الفلسطيني، ويقول للأشقاء والأصدقاء هلموا، تعالوا لنبني غزة، ونعيش بلا شعارات، ولا أصوات ناشزة، تعالوا لنبني المدارس، ونذهب غداً حاملين حقائبنا المدرسية، لنكمل ما تبقى من أمل، لنكمل سلسال أحلامنا بأيام وردية، برائحة الزيتون، ولون الكوفية المنقطة بالأبيض والأسود، لأن الحياة تحتاج إلى ابتسامة الطفل الفلسطيني كما تحتاج شجرة الزيتون إلى أنامله التي تقطف الثمرات الدسمة. 
كل إنسان محب في هذا العالم يتمنى بأن تذهب الحروب في عالمنا بلا رجعة، وأن يسود السلام والوئام والحب كل بيت على كوكبنا، كل إنسان يقول بحب: اصنعوا من غزة مثالاً للحب.. لا للحرب، وقولوا للرئيس الأميركي، شكراً لأنك أيقنت أخيراً أن السلام أجمل من الحرب، وأن الحب أنبل من الكراهية.