يحيرني هذا السؤال الذي لا جواب له عندي: لماذا لا أنتبه للزمن؟ يمر بي طاوياً فتنتي ولا أنتبه، ملوحاً بالنهايات، ولا أنتبه. عقارب الساعة تسير متئدة ولا أنتبه.
(عقارب!) لماذا نسميها عقارب؟ لأنها تلدغ أعمارنا في سيرها، تنث سموم الزمن، وتغرس في أجسادنا نابها ولا ننتبه! كأننا فرائسها التي نذرت لها دونما إرادة واختيار. نعدها بالثواني، وتعدنا بالسنين، بالعجز بالنهايات ولا ننتبه. دقات الساعة ترصد دقات قلوبنا، تماثلها، ترقبها، تحصيها، ونعرف من دقاتها كم دقة في الدقيقة ينبض قلبنا، لكن قلوبنا منذورة للتوقف، بينما دقات الساعة وسير عقاربها منذوران للأبد، كأنها توق الخلود الذي نعجز عن بلوغه. كلما قلت سأكتب التاريخ حين كتابة النص أنسى، ثم أحار بعد زمن متى كتبته، كأن الشعر وهج يخترق سياج الزمن ليؤكد خلوده. كأنه لا يكترث إلا بأسر الشاعر لحظة غيابه فيه. لكن أليست لحظة استغراق الشاعر في كتابة نصه هي لحظة تدوين لزمن يختزل زمن الشاعر ويكثفه، ويختزل سيرته، تجاربه، ثقافته، وحضوره الآني، والممتد حتى لحظة الكتابة؟ وإذا كان التأريخ يشي بزمن الشاعر حين كتابة النص، حين نقرأ التاريخ المدون بذيل النص ندرك متى كتب. ألا يسترجع التأريخ اللحظة والتجربة والحدث والدوافع الخفية التي أطلقت للنص حضوره، وحمّلته أمانتها؟ ومع ذلك أظل أسال متى سأنتبه لتأريخ ما أكتب؟ فلم أجد جواباً لهذا السؤال؛ لأن حياتنا كتاب يبدأ بالبياض، ثم تحبره الأيام بأحداث وتجارب، بفرح وأسى، لكن الأيام والأحداث لها صور إذا لم نلتقطها بتفاصيلها غاصت في الذاكرة، واختبأت وراء جدار النسيان. وحين نحاول بعد زمن استرجاع الصور، تبهت وتتمازج فيها الأطياف، ويحلّق بها الخيال، ويلعب التأويل والافتراض دوره ليفقدها وضوحها وحقيقتها الأولى. فلماذا لا أنتبه للزمن؟ أقف في الزمن، ولا أراني في محيطه سوى قطرة يصخب بها الموج، ويلقيها في رذاذة النسيان.
هل أنتبه وأعد خطاي على الرمال، وأنقشها في نبض الزمن كي أنتبه أنني كنت هنا ما دام دفق دمي في الوريد. ونبض قلبي بين الضلوع. كل أيامي تمر جامعة توقي وأحلامي وحضوري بين انطفاء وتألق، دون أن أدوّن رقماً على صفحة الحضور بحبر الأسى، أو بإشراق الفرح.
كل أحلامي مؤجلة، كأنما التأجيل قيد في رسخ إرادة الفعل والتحقق، أو أنه لا مبالاة بالزمن وبالإنجاز. لماذا؟ وكلما قلت غداً سأجمع، وأنشر ما جمعت، يمر الغد ساخراً مني. فمن سيجمعني بعدي، إذا تبعثرت أيامي وأحداثي ومعانيّ وبلاغتي في هوس التأجيل. ومن سيحفرني على رقيم الخلود!
كأن الشعر وهج يخترق سياج الزمن ليؤكد خلوده


