هناك الكثير من الإعلانات المضحكة من بؤسها، الفقيرة في محتواها، الساذجة في مظهرها في وقت لا يؤمن إلا بالأذكياء والأغنياء والمحتالين من الإعلاميين ومتصدري المنصات الرقمية بدرجة عابري القارات الوهمية، ومتواجدي المؤتمرات الاقتصادية الدولية.
لذا الفرق بين إعلان ذكي، وإعلان بئيس، تماماً كالفرق بين الدبلوماسي المحنك، وبين حرامي الشوارع النشّال، الغمّاط، هدفهم واحد، لكن لهم توجهات مختلفة، وطرائق متعددة.
اليوم صعدت صناعة الإعلانات جامعة الفن والذكاء والجرأة وسخاء المال من أجل التأثير، والمكسب الوفير، وحدهم جماعة الإعلام المهترئ الذي يستند إلى مقولة قديمة عفى عليها الزمن، إن عض كلب إنساناً فهذا ليس بخبر، عض الإنسان كلباً هو الخبر، وهذا ما أراه أخيراً يغزو الفضاء الإلكتروني، إعلانات غبية، وساذجة، غير معروف مصدرها، ولا تنطلي على الإنسان العادي، غير الذين يريدون أن يشتروا وهماً ويخسروا من كيسهم، إعلانات أقل ما يقال عنها أنها فقيرة، فكيف تأتي بالغنى، بئيسة، تعيسة، فكيف تأتي بالنجاح والسعادة؟ أدواتها قديمة، وتريد أن تلعب في ملاعب حديثة، مثل، فضيحة جنسية تهز أي مكان في الدنيا! فيفتح الكثير من المتشوقين لمثل تلك الأخبار الفضائحية والفضوليين، وبعدها لا تجد فضيحة، فقط يظهر من يريد أن يبيعك الوهم من خلال التعامل مع الدرهم الأثيري، والجنيه الهوائي، والأسهم النارية الطائشة، وكلها أموال مبتكرة جديدة، لا أعرف كيف ستتحول إلى أموال سائلة، ومرات يختارون شخصاً اقتصادياً مرموقاً، يظهر على الشاشة، وخلفيته مؤتمر دافوس مثلاً، وكأنه يتحدث بصوت خافت، ليغطي عليه صوت المعلق الذي يقول لك: إنه بدأ بألف دولار، واليوم أصبح يملك المليارات، وهذه نصيحته للشباب العربي، استثمر ألف دولار في محفظة «شان مي هوان»، قبل أن يفوتك القطار السريع، وتركب قطار المتقاعد البطيء. مرات أخرى يختارون صورة امرأة من التي تضعها صالونات التجميل عادة في نشراتها وإعلاناتها بمناسبة أن العيد قريب أو من تلك التي تضعها ملصقاً على زجاج المحل، ومكتوب تحتها: هذه حصّة إبراهيم من الإمارات كسبت هذا الشهر 28 ألف دولار، لا الشيفة شيفة حصّة، ولا وجه تلك الصبية يخبرك أنها تملك 1700 دولار، خاصة ووجهها لا يساعد، لكنهم يصرون في إعلانهم على تسويق تلك الصورة بترديدهم، هل تريد أن تصبح مثلها؟ تعال عندنا، وجرب التعامل الرقمي مع حصّة المنقّاية!
وهناك إعلانات تستخدم المشاهير وصوراً من مقابلاتهم، ويصدرونها بعناوين مثل، هذا الهاتف الذي يستعمله أمير قبيلة الآباتشي، و«ماسك» يعلن: لن أساعد فقيراً، وإن رأيته غارقاً لوسطه، فسأضع يدي على كتفيه ليغرق! أو شاهد بيت «جاكي شان» أو «شارو خان»، وسياراتهما العجيبة الغريبة، وحينما تفتح يظهر متسول يريد منك أن تستثمر عبر الإنترنت بمبلغ مائتي دولار، ليست نقداً، ولكن من بطاقتك الائتمانية!
وهناك إعلانات ساذجة من التي تحضك على أن تكسب إلى جانب راتبك الشهري دخلاً يومياً، ما يعادل 987 دولاراً في اليوم، قال حقّانيين، ويحسبونها بالسنت وبالكسر، وهكذا لا أدري لِمَ أشعر أن وراءها دائماً صبياً مختبئاً خلف دكانه ذي اللافتة الحمراء أو تلميذاً نجيباً تمنى كثيراً النجاح في «بيليوود» دون موهبة حقيقية، ويريد كلُ واحد منهما أن يقامر ويغامر، ومستعيناً بموظفين عاطلين عن العمل، ولا يملكون الذكاء الإلكتروني الجديد، وتمنوا في بداية تخرجهم لو وجدوا عملاً في قطاع التربية والتعليم لأنه أستر لهم، ودخله مضمون أو وراءه عصابة من التي تؤمن بقيمة الأفلام الهندية، ويعيشون الدور، ولكن في واقع الحياة القاسي والماكر والذكي، يقتل زعيم العصابة من أول الفيلم مع عنترياته التي تخذله دائماً!
هذا الفرق بين أحد يريد أن يقطف الوردة.. وآخر يريد ملامسة الربيع!