قبل رفع أذان الإفطار، تكبر الابتسامة، وتتسع دائرة الفرح، في عيون الأطفال، حتى الذين لا يعرفون ما هو الصوم، ولماذا يصوم آباؤهم؟ لماذا؟ لأن لحظات التحليق حول مائدة الإفطار، تبرز الأرواح، مثل طيور ترفرف للحظات فطرية عفوية، ولكنها ذات مغزى، والمعنى هو رائحة الطعام، وتواجد الكبار الذين تجمعهم لحظة قدسية، فيها من عطر المشاعر المرهفة، وفيها من لون النظرات، وفيها من بسملات ترتفع إلى السماء، مثل طيور تهوى المدى، وتحب أن تلامس أجنحة الهواء في منازل الصديقين. هذه اللحظات تمنح الصغار وعياً بأهمية الاجتماع الأسري، وأهمية أن يكون الكبار مثل النسور، يحدّقون في صغارهم، كما هي النجوم وهي تمسك بالأشعة الضوئية لتلقيها على الجباه السمر، مثل سطوة الأحلام في ليالي الفرح الأبدية.
الله كم هي الابتسامة شائقة ورشيقة، والعيون أنيقة، مثل زهرات تتفتح على الوجود وتمنحه المنزلة العليا، وتمنح الحياة معطف السعادة عندما تكون النفوس البريئة قد استعدت لأول لقمة وأول رشفة باردة، كالبرد يدق نواقيسه على الشفاه الدقيقة ويمنحها بريق الندى على وريقات اللوز. في رمضان، كل الأشياء ترتدي ثياب المواويل المسائية، وسندس الأمنيات بأن يكون الليل أطول من النهار، والنهار يطوي عباءته بسرعة البرق، لأجل مائدة برائحة الهريس ورشفات الأحمر الثلجي، يغدق الصغار بذائقة رمضانية استثنائية، وطعم اللهفة الأولى، طعم الجرعة الأولى.
في رمضان يمد الكبار أياديهم قبل الصغار، وتلك هي أول خطوة لمعرفة «السنع» وأول درس في القيم الإسلامية يتناولها الصغار والذين يتقبلون الأمر طواعية، ويتذوقون الرشفات ممزوجة بمفاهيم المرحلة الأولى لخطوات تالية، قد تبدو أجمل عندما يجلس الكبار عند أريكة ما بعد الإفطار، وتحضر ناعسات الطرف يحملن أباريق الشاي، وسخانات القهوة المجللة بالهيل والزعفران، ويتربع الكبير ثم يلقي خطابه الأثيري على مسامع العصافير التي تتكئ على أعمار لا تتجاوز السبع سنوات، مشتعلة بحماس طفولي كأنه تلويحات سعفات النخل تحت سطوة الهواء الدافئ، ويستمر الكبير في إلقاء جواهره الثمينة، والصغار يتغامزون ويتهامسون، وأحياناً يلكز أحدهم الآخر، ولا وجدوى من إيقاف فيض الشغب الجميل، ولا مجال إلا لغض الطرف والمشاركة في اللعب على الزمن، واختزال الأعمار ليكون الكبير صغيراً حتى تتناسب الأعمار، لتجري الجداول من دون حصى يعطل مجرى الماء في عروق الأشجار.


