تربكني كثيراً تلك الجدلية القائمة بين الإنسان والمكان، وكيف يمكن للإنسان أن يجعل من المكان وكأنه الظَفَر كله، وأن الحنين له هو ما يجعله يركب صعاب إبله، وعتاق خيله أو يأتيه ولو بعكازة من التعب والصبر أو يزحف له حافياً على أربع، ثمة حنين فيّاض عند الإنسان تجاه أماكنه القديمة وأشيائه العزيزة، لكنه لا يدرك أهميتها وقيمتها إلا حين تنقضي السنون، وتتبدل الأشياء من حوله، ويتغير الناس وتختلف طبائعهم، حينها يستوحش من جديده، ويتحفز من البشر الطارئين، فلا يكون ملاذ مثل ملاذ ظل سدرة كانت تجاور بيت الطين أو هواء نخل كانت تحوط عريش الصيف في واحات العين، ولا تكون كل الطرق أنيسة مثل تلك الطرق التي كان يعبرها ربما حافياً، وربما مسرعاً من رمضاء رملها، وليس ثمة أصدقاء حقيقيون بمثل أصدقاء طفولة وملعب ومدرسة ابتدائية، ولا جيران مثل جيران الأمس، أولئك الذين يؤثرون اللقمة فتسبق إلى فمك دونهم، أولئك الحاضرون إن غبت أو غيبتك الأسفار والأعمال، ليس ثمة جارة بمثل الجارة العجوز التي تخاف عليك كابنها وأكثر، ولا جار يمكنك أن تتحمل نهره وحمرة عينه كأبيك البديل وأكثر.
فجأة يأتي شيء ربما بسيط ويلزمك التوقف والتأمل والتفكر، ويغيب عالم اليوم الجديد والسريع والمكتظ بأناس لا تعرف جلهم، وتهرب إلى زاوية تشعر بدفئها وحميميتها، تخبئك عن شوارع اليوم، وأبنية الأسمنت الصامت، وتلك الرمادية التي تطبع أخلاق بعض الناس لتعبر بك نحو عالم طفولي بريء، نحو أناس لا ينتظرون منك إلا البسمة والضحكة، ولا يرجون إلا «المرحبانية» التي تسبقك نحوهم.
ربما أن الزمن تغير، والناس تبدلوا، وإيقاع الحياة ما عاد بتلك البساطة والرحابة، وربما لأن المادة اليوم جلبت للناس كل ضجيجها، واختلفت بذلك مقاييس التواصل، ومعايير التعارف، تماماً مثل بيوت الأمس تظل حاضرة بكل جلال الحضور، ماكثة في الرأس بكل تفاصيلها الصغيرة، ماثلة كشواهد لا تغيب عن الذاكرة، في حين بيوت اليوم، والتي نغير أثاثها بين كل حين وحين، وربما نغيرها من مكان إلى مكان، لا تفرض أي حضور يليق بمقام المنزل الأول.
أحياناً أرجع ذلك لذاكرة الطفولة الطرية، حيث لم تتلوث بعد، طاهرة كصلصال من ماء وطين، وأحياناً أقول هي الدهشة الأولى في معرفة الأشياء الأولى، تلك الدهشة التي تظل تغادر مخيلة الناس كلما كبروا، وكلما خبروا الحياة، لكن مرات أرجعها لزمن البساطة الذي شكلنا حتى إذا ما كبرنا ابتعدنا عنه نحو حياتنا الجديدة المعقدة، لذا تستدعينا أشياء بسيطة في ظل دوامات الحياة وفي مناسبات بعينها لتقول لنا: توقفوا قليلاً! فربما سحبتكم الحياة ولم تعطوا للنفس شيئاً تفرح به، وشيئاً تحن له، وشيئاً ربما يعيد لها بعضاً من سكينتها وطمأنينتها، فيكون ذاك الهروب إلى الماضي كاستراحة للنفس الجامحة كعربات النار.
ذلك الحنين المشتهى يكون مختبئاً في ثنايا الذاكرة أو بين ضلوع القفص الصدري، وأقل الأمور بساطة قادرة على أن تسحبك نحوه أو تحضره لك، فلا تقوى إلا على الاستسلام لتلك الغواية الجميلة التي تعزفها جدلية الإنسان والمكان!


