مرَّ عيد الأضحى يا أختي وأنتِ لستِ معي. كأنما الأعياد التي يزهو بها الناس تأبى أن تجمعنا، كأنها تخشى علينا من ديمومة الحُب في دمنا أو أنها تحسدنا على كل عيد في كل يوم نحتفي فيه بلقائنا.
ها هو العيد مرّ ونحن في البُعد القصيّ ساهيان عن عيد يفيض بأشواقنا، إذ كيف يكتسب العيد فرحته وأنتِ لا قُربي ولا من غفوة النسيان توقظيني وتهديني ثوباً جديداً، ولا حنو يدي تعدّ لكِ شاي الصباح لتشرقي بابتسامتك وتشكريني. في العيد الذي مر من زمن على لقائنا عذرتك، فطقس فقد الوالدة، رحمها الله، أوجب من طقس حضورنا. ومهما بلغنا من المحبة عمقاً، يظل الحزن مشدوداً إلى خفقنا، لنطفو قليلاً ويردد الموج في ترجيعهِ آهاتنا. لكن ها هو العيد، يأتي كل عام ونحن في البُعد يلهو بنا الشوق مرة أخرى باحتدام أشواقنا.
سيلمّ العيد شمل الذين افترقوا لأسباب وأسباب، سيجتمع الأهل حول مائدة وأحضان واحتفاء وهدايا، ووحدي - لولا بُعدك - مثلهم سأحتفل. سينسى المحبون والأصدقاء والأقرباء عداوة أثقلت القلوب، وشتّ بهم بعدٌ، وطوّحهم غضبٌ، وفرّقهم عتبُ. سيلتئموا بفرحة العيد، كما تبرأ الجراح. فالعيد ليس نهاية طقس الحج أو ابتداء العام، أو فرحة الميلاد، لكنه الحب ناهضاً من سقطة النسيان، والقرب بعد قسوة البُعد.
لو أنك بجانبي الآن ترقبينني وأنا أخطّ بأحرفي سطراً إلى العيد، لكان العيد أعياداً وأسطري كل الموائد والناس حولها صخب وأفراح وضحك، لو كنت قُربي الآن كنتُ ارتديت أجمل أثوابي وزينتُ الزوايا بالفل والورد، ورفرفت خُطاي كالفراشة من فرح وترحيب. لو أنك قربي الآن ربما أنسى أن هذا اليوم عيد لكل الناس، وأعتقد أنه عيدي.
سأحتفل كل يوم وكل عيد بأحبّتي وأنتِ بينهم في القرب كنتِ أو في البُعد، فالبُعد إلا مسافة في الأرض، يجتازها الشوق كلمح البصر، سألبس الثوب الجديد الذي أهديتني، وأزهو بزينتي وأرتدي عقدي حول عنقي، وأعلق الأقراط لتهتزّ على إيقاع فرحي، سأعدُّ لك الشاي معطّراً، وأعدُّ لك الطعام المبهر الذي تحبينه، وأشمّ رائحة المسك الذي ينثّه نَفَسُك، وحين تستغرقين في نومك سأوقظك وأهزك كما ياسمينة ليتساقط عطرها، وأعرف أنك حين تستيقظين ستطلبين الشاي، فأقدّم لك فنجان الشاي وأقول لك: «كل عيد ونحن في الحب عيد!».


