في منطقة الظفرة، تبدو النخلة عروساً تحتفل وترفل بثياب الفرح، حيث النبلاء شيدوا لها حفلاً، يعبِّر عن أهمية هذه الفيحاء، وهي تعانق السماء، بقامة، كأنها الشهاب يثري الحياة، ببهجة العطاء، ويمنح الإنسان سدة الوجود، على أرض حباها الله، بزرع ملأ الوجدان مشاعر كأنها الحرير، وأسهب في تلوين العناقيد بالأصفر، والأحمر، كما هو لون الفراشات المترعة بالشفافية، وعذوبة الطيف، وهي تداعب شفاه الورد، بنغمة التحليق، وترنيمة سحرية.
على هذه الأرض وقفت نخلة شاهدة على جهود إنسان، ما ملَّ الشغف وهو يوغل الأنامل بين حشد من حبات بعذوبة السكر، وجمال الأقراط تشاغب الحياة، بجمال وسؤال تسرد حكاية الوجد البشري، وأشواق مثل أجنحة الطير، تحلّق، وتغدق الكون بأحلام كأنها الأطياب في مخمل القلوب الرضية.
في عرس النخلة، تستدعي الذاكرة، صوراً، ومشاهد مرَّت من هنا، عند أزقة الذاكرة، ترسم صورة العلاقة بين الإنسان وحبيبته النخلة، تلك الشجرة، تلك الجميلة المثمرة، وهي تدلي بقلائد على نحر الأرض الطيبة، تلك الحسناء، تمارس حب الوجود، بشهية العشاق، وهم يقرضون قصائد الشغف وأحلام الأبدية، ببديهة الفطرة، وبديع البلاغة، ونبوغ الصحراء الأبيّة. في الظفرة، أصبح لمهرجان ليوا للرطب، ذائقة لا يعرفها إلا عشاق الجمال، وكل من ناله من فيض الرطب، ما يزجي في روحه أمنيات، أحلى من الشهد.
نحلم، ونكسب من أحلامنا رطباً جنياً، وعند نواصي الأحلام تبدو لنا النخلة، ملاكاً يسكن الأرض، ونحن الذين نضع الثمرات على جذعها، نرسمها وعداً بألا تظمأ نخلة، ولا يذبل عذق، وهذا النرجس المبتل بزلال الرطب، ويبدو وكأنها يسيل من عرق ما بين الضلوع، وتبدو النخلة، كاهنة عرفانية تتبتل، لأجل حياة رخية، وإنسان يرتشف من سلسبيل النخلة ما يجعله في الدنى، طيراً، منازله عند شغاف الغيمة، وجناحاه، أشرعة، مداها القمم الشم. نفتخر ونحن نقترب من شيمة النخلة، تناولنا رونقها، ونمنحها كل حبنا، وكل شوقنا، كل لهفتنا عندما تكون النخلة بجوار الفرح السنوي، ريانة بالعزّ، فيّاضة بالكرم، منعمة بأجمل ما في الحياة، منعّمة، بحب الإنسان للشجرة، فهي أصلنا، وفصلنا، وفاصلة سطر روايتنا الأزلية، عندما كنّا بنعومة الأظفار، نلامس شحمة العنقود، نمسك، على ترف الشجرة المباركة، ونقول حمداً لله على نعمة النخلة، وشكراً لله على خلقه البديع، ومهارة الطبيعة، في رسم الصورة الكاملة، للإنسان، - والصحراء- والنخلة، وفي قلب المثلث يسكن الشوق، والتوق، والصدق.
نستلهم من النخلة حبنا للأرض، ونستلهم السلام، والطمأنينة، نستلهم أحلامنا الزاهية، وهي تسير بين الرموش مثل فراشات، تبحث عن سر العطر، في ثنيات الوردة، وسبر الحب في نياط الأفئدة. فشكراً، وألف شكر، للذين يضعون النخلة مرود كحل بين الرموش، شكراً لعشاق الحياة.


