البحر.. هذا المدى البعيد الغامض الأبدي.. أكاد أسمع في نشيجه نشيد الحياة بهشاشتها وصلابتها. النشيد النابض برهج الكائنات في مسيرة لحظاتها، وفي طريقها المحتوم بالنهايات. المحفوف بخطورة الشك ووهم اليقين. باكتناز الأمل وضراوة اليأس. هل ثمّة يأس في انكسار الموج على الشاطئ؟ ألا ترجع الأمواج شغف الحياة في غيمة الهطول، أليس في صليل الأصداف حين انهمار الموج أغنية النشوء؟ ألم يحتوِ البحر الكنوز، التحدي، نزق الأحلام وفداحة المغامرة؟ أليس في الأسفار غواية المرافئ؟ وفي كيمياء الماء سر الغموض؟ ألا يشبه البحر الإنسان في العمق والمبهم، في التمرد والخنوع، في السكينة والاضطراب، في البهاء والعتمة، في العنف والرأفة، في القسوة والحنو، وفي أنة الأرواح وأسرها الأزلي؟ ألهذا أعشق البحر وأحتفي بكيمياء الماء حين يهطل مطراً وحين يرقّ بالندى؟! نكبر بعد مهدٍ وحبوٍ، وتمرّ علينا تروس الأحداث والزمن في مرّها الكثير وحلاوتها القليلة. وما أن نصير إلى شيء من المعرفة بما يجري حولنا، ما أن نملك القليل من قدرة استبطان الظواهر والعلل، حتى نفقد تلك الدهشة الأولى المكتنزة بالبراءة، دهشة أن نعرف ما لم نعرفه بعد. أن نكتشف ما يغمض في السر، وما يكمن في جفلة الدهشة. في مسيرة الأيام وتبدُّل فصولنا. فيما نمضي في الكشف والمعرفة نقول، حين يعبر حياتنا حدث نظنه جديداً: (ليس ثمة ما يدهش في هذا الأمر..) لكثرة ما تمر علينا تروس الواقع المرير، برتابتها ومشهدها المألوف، وتكرار أحداثها. لكثرة ما تذبح فيه أمانينا وتغتال شغف الحياة. لكثرة ما فقدنا من براءتنا وأرهقتنا الخيبات. البحر وحده، يظل كُلِيَّ القدرة على إعادة تلك الدهشة إلى طفولتها وبراءتها وصفائها وسحرها الغامض. كل يوم أراه، توغّلتُ فيه، أشعر كأنني أراه لأول مرة. لأنه ظلّ أبدياً في فتنته، أبدياً في عظمته وخطورته وقوة أسراره وهيبة جلاله. ألا يشبه البحر المرأة في حقيقتها، في عمقها، في جوهرها، في احتوائها واحتضانها الحياة؟ أليس المرأة والبحر متماهيين في الكنه والإبداع؟ حين تثقلني الأيام والظنون، ينهض نداء البحر في روحي وأنهض إليه كي أحتفي به واجتلي في سره أسراري، وأسمع في نشيج أمواجه خفقي ونشيدي!