ماذا ستقول لهم بعد انتهاء الحرب، وسكون موجات القصف؟ هل سترفع العتب وتقول هذا هو الإنسان، وهو يرفع العقيرة، ويلوي الجبين، ويشيح بوجوم للحقيقة، ويقول هذا أنا! متى أضع الغضب بين أضلعي، تعرفوني، ثم يمضي بخيلاء، فلا صدق، ولا يكتفي بإزعاج الكائنات الوديعة التي تسبح خلف أحلامها الصغيرة، بل يتعدى غضبه ذلك، ويفتك بالشاردة، والواردة، ولا يعتق حياً يتحرك، وهذا هو الإنسان، وقد شهدت عليه داحس والغبراء، والحرب الدامية التي اشتعلت من أجل ناقة. ويضيف البحر قائلاً: لقد كنت في أمان الله، أطعم وأملأ البطون، وأزين النحور والصدور، وكنت مسروراً لذلك، رغم اتهامي زوراً، بأني غدار، ولما رأيت ماذا يحدث بين البشر، قلت إني بريء، ولكن البشر، هذا الجنس الغريب، المريب، العجيب، الرهيب، لا قوة في الدنيا، تسكن غضبه، وتجعله كتلة جحيم تمشي على الأرض، وإذا ما غضب، نسي القيم، والمبادئ ، تركها ومضى في الحياة، مثل العاصفة الهوجاء، تحطم كل شيء يعترض طريقها، ولا تبالي.
هذا هو الإنسان، لقد عجزت الرسالات، والعقائد عن ترويض وحشه المدمر، لأنه إنسان في داخله تكمن «الأنا» هذه الأنا عندما تتورم، وتصبح مثل الطبل الأجوف، لهو صوت مجلجل، يفتت مشاعر الإنسان، ويجعلها مثل نشارة الخشب، بلا إحساس، ولا وعي بما يقوم به الإنسان، ومن هنا تبدأ جمهورية أفلاطون، تتلاشى، وتنشأ إمبراطورية الشر، تكبر، وتتضخم، وتدوس على الأرض بخفاف ثقيلة، إلى درجة أنها تحفر في الأرض اسم الإنسان الذي تحول إلى نار، وسعار.
ويستطرد البحر قائلاً: ربما تخفت النار هنا، ولكني على يقين سوف تنشب في مكان آخر، لأن الإنسان لا يعرف السكينة، إلا ما ندر من البشر، وهؤلاء هم الذين يعانون من شر الأشرار، ولكنهم يستمرون في البناء، وتعمير الأرض، وري أعشابها من عرقهم، وجهدهم.
ثم ينهي البحر حديثه الصريح، والمؤلم أيضاً قائلاً: لو علم الإنسان مدى قيمة الحب، وأهمية السلام، لما فكر في القتل، والبطش، وسوف يندم لا محالة، ولكننا نقول، كم من غراب تحتاج البشرية، لكي ينبهوا العالم بفداحة جريمة القتل، ومدى ما لها من تداعيات على الأجيال، فاليوم لن يستطيع الجيل الجديد الإيراني الإجابة على سؤال جيلنا وأبنائنا، لأن ما فعلته بلادهم، لا يحتمل أنصاف الإجابات، بل هي إجابة واحدة، بأن إيران بحثت عن الحل لمعضلتها في المكان الخطأ.


