التضليل الإعلامي أصبح صناعة متكاملة توظف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية للتأثير في الوعي وتزييف الحقائق. ومن هنا تأتي أهمية إعلان المركز الدولي لمكافحة التضليل الإعلامي (ICCMD) تطوير منظومة تقنية متقدمة لرصد وتحليل المحتوى الرقمي، بالتوازي مع إطلاق الميثاق الدولي للنزاهة الإعلامية ومكافحة التضليل.
نرحّب بهذه الخطوة، ونتمنّى للمركز كل التوفيق في مهمته، فمواجهة التضليل تحتاج إلى تعاون مهني واسع، وأدوات تقنية متطورة، وإلى إعلام يعرف أن معركته الحقيقية ليست مع الشائعة فحسب، وإنما مع منظومة كاملة تسعى إلى صناعة واقع زائف.
وهنا، تبرز تجربة الإمارات باعتبارها نموذجاً عملياً في التعامل مع الحملات الإعلامية الممنهجة التي استهدفتها على مدى سنوات. فلم يكن الرد الإماراتي قائماً على الانفعال أو الانشغال بكل ما يقال، بل على نهج راسخ: الإنجاز أولاً، والحقيقة من أرض الواقع، والثقة التي لا تهتز.
لقد واجهت الإمارات حملات مضلّلة تنطلق من أبواق حاقدة، وتقف وراءها أجهزة معادية اعتمدت على تقارير مجتزأة، ومقاطع مفبركة، وسرديات مصطنعة، وحسابات ومنصات حاولت تضخيم الأكاذيب وتقديمها في صورة حقائق. ومع ذلك، باءت بالفشل الذريع، لأن الوعي المجتمعي كان حاضراً، ولأن أبناء الإمارات والمقيمين فيها أدركوا أن أفضل ردٍّ على الافتراء هو الحقيقة، وأن أفضل تفنيد هو الواقع الذي يراه الناس ويعيشونه.
والحقيقة أن أخطر ما في التضليل الإعلامي اليوم ليس سرعة انتشاره فحسب، ولكن قدرته على التسلل إلى الوعي عبر تكرار الرواية نفسها بأشكال ومنصّات مختلفة، حتى يختلط على المتلقي الحد الفاصل بين الحقيقة والادّعاء. ولهذا فإن المعركة معركة وعي بقدر ما أنها تقنية، فكلما تطورت أدوات إنتاج المحتوى المفبرك، يجب أن يتطور معها وعي الجمهور وقدرته على التحقق والتمييز، ويدرك أن مشاركة محتوى غير موثوق قد تجعل منه، من حيث لا يدري، جزءاً من آلة التضليل.
الميثاق الدولي للنزاهة الإعلامية يمكن أن يشكّل أرضية مهمة لتوحيد الجهود وتعزيز المسؤولية المهنية. والمطلوب اليوم ليس مجرد ملاحقة المحتوى المضلل بعد انتشاره، بل بناء منظومة استباقية تجمع الرصد والتحليل والتحقق والوعي. وهذا ما يجعل المنظومة التقنية التي أعلن عنها المركز خطوة جديرة بالاهتمام.
التقنية وحدها لا تكفي. فالمواجهة الحقيقية تبدأ من إعلام مهني، ومؤسسات مسؤولة، وجمهور واعٍ لا يمنح الشائعة فرصة الانتشار قبل التحقق منها.
لقد أثبتت الإمارات أن الأوطان الواثقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تدافع عن نفسها، يكفيها أن تواصل البناء، وأن تترك للواقع مهمة الرد. و«ما يهزك ريح يا هذا الجبل».