على ضفاف النفس، تتحرى حرية مفقودة، ربما تكون تأملية مع الذات في لحظات هادئة، تحفل بمناجاة صدى مطلٍّ من نافذة هي ربما فسحة خيالية، تنظر منها بلهفة وشوق إلى جزئية مضيئة تخفتُ بحذر.
بينما تتحدث الرؤى، ثمة صداقةٌ مع النفس تتجلى بين أمزجةٍ تتفتح من السعادة والفرح والابتسامة الخاطفة؛ ربما من أجل أن تبحث عن أسرار غامضة وفلسفية، وتتعقب جذور الوقت، وماذا حدث بين متاهات الصمت.
بين لحظات السكون تتجدد الرؤى، وتستأنف النظر من إطلالة النافذة؛ تبصر المسافات لتتأمل الجماليات، وتقرأ الذات بهدوء. ترقبُ تلك الوجوه الخاطفة وهي تسابق خطوات الوقت من دون التفات، تسير في ركاب مبهم، تتمهل تارة وتتعجل تارة أخرى، كأنها تبحث عن مساراتها المفقودة.
في رحاب النفس، تغلق نافذةُ التلفاز كإجراء وقتيٍّ كي لا ترى احتدامات سافرة تخدشُ الرؤى؛ فيكفي أنك أمام النافذة المبصرةِ إلى داخل أعماق النفس.
تُحلّق من خلالها نحو آفاق الحياة؛ في إجراء يفيض بالاطمئنان أن تقرأ الوجود بعنايةٍ رهيبة من خلال المدى البعيد، وتنتظر أن يفيض بالوجد وحكايات تؤجّلها خلف انتظار مُهم مختصَر رويداً.
بريقٌ لامعٌ يميطُ اللثام عن السراب، كل شيء يرخي سدولَه، والأمر يصبح مستنفراً كلما جنحتَ بعيداً خلف الرؤى.
كلما تجنحُ نحو أحلامك حين تتطهرُ من الحكاياتِ؛ أيِّ حكاياتٍ مغفلة بين عقارب الساعة والثواني المجنونة! كلما ضاق الأفقُ اتسعت نوافذُ الحريةِ في زمن لا يقبلُ أن تُفتَحَ إلا نافذةٌ واحدةٌ. العالمُ قلقٌ من اجترار المسافات البعيدة، لكن ماذا لو يقتربُ المدى من النوافذ؟
الصداقة التأملية أجمل الصداقات مع النفس؛ لا تتأزم كثيراً، وتسقط منها عتبات ومجاملات محتملة واللوم على النفس، ويستمر الحسُّ البلاغي طوع العقل في حبِّ الذات السامي.
صداقة لها صدى من لُطفٍ يجترُّ الشفافيةَ على مرِّ السنوات، حين تلوذُ النفسُ بالاطمئنانِ إلى نوافذَ محتومةٍ؛ صداقةٌ من الوعي الكافي بالمعرفةِ النفسيةِ، صداقةٌ وجوديةٌ ما بين الإنسانِ ونفسِه.
بين وقتٍ وآخر لا تُغلق النوافذ المطلة إلى الداخل، ولو كانت سهرة ذاتية على ضوء شمعة خافتة، أو إطلالة عابرة؛ إنها علاقةٌ مزمنةٌ تنضج من وقتٍ إلى آخر، لا تهرم بل تتبلور، ولها من الوضوح ما يخترق طوق النفس ويحررها من غياهب غير مدرَكة.
فسهرةٌ مع الذات فطرة وهيام، واتكاءاتٌ على القادم من صدى مفعم بالنقاء، ينعكس على القادم من الطموح.


