طريقٌ أسفلتي طويل جداً، يبدأ من مدينة دبي وينتهي في آخر نقطة حيث المساكن الشعبية القديمة في أم سقيم. هناك يتحول إلى دائرة كبيرة محاذية لبحر الخليج العربي؛ وفي هذه النقطة لا مجال لاستمرار السير في خط مستقيم حيث يُدار الرمل، إلا إذا كنت راجلاً أو مستخدماً للوسائل القديمة من الدواب، وكان ذلك في الزمن البعيد. هناك بدأ تنفيذ خزان كبير للنفط!
يحدك من الجنوب تل «قرن الثعلب» ومن الشمال البحر. جاءت الآلات والحفارات والجرارات الكبيرة؛ في حركةٍ مثيرةٍ لنا نحن الصغار القدامى في تلك المنطقة، كانت تزيدنا عجباً. عجلات السيارات الضخمة والكبيرة التي تحمل الحديد، والأنابيب الكبيرة، والمحركات، لم نكن نعرف لماذا حضرت إلى هنا.
كانت الأرض رملية ومنبسطة، تنتشر فيها أشجار «الرمرام» وأشجار «السبط»، والبحر صافٍ ونظيف جداً، لا يرتاده غير الصيادين وطيور البحر. وفي الليالي الهادئة، تظهر السلاحف على الشواطئ لتضع بيضها ثم تعود في أمان، لا يعنيها أن يأتي محبو بيضها لجمعه وطهيه وأكله. كل شيء كان هادئاً هنا وساكناً تماماً، حتى وفدت هذه الصناعة وبُني الخزان النفطي الكبير.
وفي هذه المنطقة التي يتوقف عندها امتداد ذلك الشارع الأسفلتي الطويل، بدأت حياة جديدة وأعمال كبيرة؛ إذ ظهرت حفرة عظيمة لتحيط بذلك الخزان العظيم الذي شُيِّد هناك، وعندما اكتمل البناء، مُلِئت الحفرة بماء البحر. ثم جاءت مراكب السحب وربطت الخزان الذي طفا في بحيرة الحفرة الكبيرة، وسحبته بعيداً داخل البحر، حيث موقع بئر النفط. وقتها، لم نكن نحن الصغار نعرف كيف يطفو خزان حديدي ضخم فوق الماء، ولماذا صُنع، وإلى أين يذهب، وما فائدته؟!
ولعل تجربة تصنيع «خزان النفط» ذاك، كانت واحدة من أبرز تجارب الصناعة المحلية الأولى. والآن، نجد أن الصناعات الكبيرة والدقيقة تحظى بدعم كبير ومساندة قوية في مجالات مختلفة، وتبشر النتائج بأن فكرة التصنيع مهمة جداً ومستقبلية، وتستوجب تشجيع روادها والعاملين عليها للاستمرار في تطويرها بمختلف القطاعات.
ومن رحم تلك الأحداث والمنجزات والأعمال الناجحة، اشتُقّت أسماء الأماكن والمواقع؛ والآن، فإن بعضاً من أجمل الأماكن وأروع ما أُنجز بات يحمل أسماء تلك المشاريع؛ ومنها على سبيل المثال: «حديقة الخزان» في دبي، ومنطقة «الباور هاوس» في أبوظبي.
لذا نسأل دائماً: ما علاقة الأسماء بالأماكن الجميلة؟ وما دخل «الخزان» في حديقة وارفة بالورود والأزهار والأشجار الخضراء؟ وما دخل اسم منشأة صناعية في ملامح العمارة والمباني والشوارع والطرقات الجميلة؟!.. تبدأ الحكاية بالتأكيد من حدث، كان في وقته ذا أهمية بالغة.