الدول والمؤسسات واثقة الخطى وثابتة الرؤى تنخرط اليومَ في التقنيات المستجدة دون تردد ولا خوف، وذلك مع إلمامها بمستجدات ساحة التقنية وسبر أغوارها بدقة قبل تعميم استخدامها كالانخراط حالياً في تقنيات الذكاء الاصطناعي بما يخدم تطورَ المجتمعات وتسهيل حياة أفرادها وشعوبها وتأطير إنجازاتها بمؤطرات العصر الحديث الذي يدفعها للإقدام والتجريب والاستفادة من كل جديد يتّسق واحتياجاتها وتطوير منظوماتها الرقمية على المستويات كافة.

واستخدام الذكاء الاصطناعي، بمحددات وضوابط مدروسة، هو السبيل للمضي قدماً في عالَم متجدد متقدم للانخراط في سباق العصر الحديث بذكاء اصطناعي وبشري معاً. يوماً بعد يوم يتصاعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي (مخاطره وفوائده)، وفي المقابل وفي مطلع كل يوم يطالعنا خبرٌ جديدٌ واكتشافٌ جديدٌ حول هذه التقنية التي لم يتفق العالَم حتى اللحظة، رغم الانخراط في تفاصيلها والاستفادة من مميزاتها جزئياً، على ما إذا كانت نافعة أم ضارة؟ أم أن المسألة مجرد زوبعة كالزوابع التي تتزامن مع كل جديد رفضاً أو قبولاً؟

ثمة مَن يقول إن العواصفَ الكبيرةَ المصاحبةَ لتقنيات الذكاء الاصطناعي لم تبدأ بعد، وإن العالَم قد يواجه تحدياً قادماً، لكن إيريك شميدت الذي قضى عقدين على رأس شركة البحث العملاق «جوجل»، يقول إن الذكاء الاصطناعي لا يشكّل تهديداً خطيراً في الوقت الحالي، وإن هناك سيناريوهات محتملة ستجعل قريباً هذه الأنظمةَ قادرةً على اكتشاف ثغرات المشكلات الإلكترونية واكتشاف أنواع جديدة من علم الأحياء، لكنه يمكن أن يساء استخدامه من قبل «الأشرار» عندما يصبح أكثر تقدماً.

وقد حذّر شميدت من قدرة الذكاء الاصطناعي المتزايدة على تحديد نقاط الضعف في برامج القرصنة وصيد التكنولوجيا الحتمي لمسارات بيولوجية جديدة، مما قد يؤدي إلى إنشاء أسلحة بيولوجية جديدة مدمرة. كذلك أكد سام ألتمان، رئيس الشركة المطورة لبرنامج «تشات جي بي تي»، أن الأدوات التي نمتلكها ما تزال بدائيةً للغاية مقارنةً بما سنمتلكه في غضون بضع سنوات، وتوقّع أن يحدِث الذكاءُ الاصطناعي ثورةً في التعليم مثلما فعلت الآلاتُ الحاسبةُ، وهي مقاربة معقولة في تقديري، فما نعتقد أنه سوف يتعارض وأخلاقيات العلم قد يكون خدمةً جليلة له إذا تم ضبط استخدامه.

والواقع أن استخدام الذكاء الاصطناعي بذكاء بشري هو السبيل الأمثل للتفاعل مع التقنيات الحديثة التي بادرت بعض الدول لاستخدامها بوعي وإيجابية، ففي مكة المكرمة -مثلاً- تواجه أمانتها سنوياً مشكلةَ النفايات بعد كل موسم حج، حيث يبلغ حجم النفايات 30 ألف طن بتكلفة تصل إلى ملياري ريال لإزالتها، وقادت هذه المعضلة مهندستين سعوديتين في حوكمة البيانات لتوظيف الذكاء الاصطناعي في حل هذه المشكلة عبر تأسيس منصة ذكية لتحليل النفايات بالاكتشاف الآلي وتحليلها عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي والرصد بكاميرات مدعمة بميزات الذكاء الاصطناعي، وربطها مع لوحة تحكم تفاعلية تقوم بتنظيم عمليات جمعها ونقلها وفرزها وتخزينها ومعالجتها والتخلص منها بالطرق الآمنة.. في مشروع متقدّم يسهم في بناء اقتصاد مستدام، وقد يطوره قطاع إدارة النفايات مستقبلاً.

واللافت حقاً في مسألة الذكاء الاصطناعي أن أكثر مَن يحذر من مخاطره المستقبلية هم من أسسوه وابتكروا آلياته، لكن الاحتكام للضوابط والأخلاقيات المهنية هو الفيصل في التعامل مع تقنيات العصر واختراعاته أياً كانت. ولا شك في أن العالَم الذي يتقلب في بحور العلم والمعرفة والتقنيات الرقمية حالياً، لن يعجزه خَلق ضوابط تَحدُّ من الاستخدام اللاأخلاقي للذكاء الاصطناعي.

*كاتبة سعودية