في ظل الجهود المستمرة لدولة الإمارات العربية المتحدة لتنويع اقتصادها الوطني وتعزيز موقعها على الساحة المالية العالمية، تَظهر أهمية دخول الأسواق العالمية مرحلة جديدة من الرقمنة المالية، ويبرز دور العملات المستقرة والسندات الرقمية كعناصر محورية في تشكيل النظام المالي العالمي الجديد. وفي هذا السياق، تتجلّى رؤية الإمارات الطموحة في السعي لتكون في طليعة الدول الرائدة في التحول نحو التمويل الرقمي وبناء بنية تحتية مالية حديثة ومتكاملة.
فقد أكد تقرير «الاقتصاد الرقمي.. التوقعات العالمية لعام 2026»، الصادر عن وكالة «موديز»، جاهزيةَ بيئة الأعمال في دولة الإمارات لاحتضان هذا التحول، سواء من خلال تنظيم الأصول الرقمية، أو عبر تطوير منظومات متقدمة للدفع والتسوية، ما يعكس قدرةَ الإمارات على الجمع بين الابتكار المالي والاستقرار التنظيمي لتعزيز تنافسيتها الاقتصادية على المستوى العالمي.
والحاصل أن التمويل الرقمي أصبح بمثابة بنية تحتية مؤثرة في قرارات تخصيص رأس المال وتشغيل الأسواق، وذلك في ظل توافر الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، والدفع عبر الهاتف المحمول، والمحافظ الرقمية، والتحويلات الفورية، تزامناً مع تزايد استخدام الأصول المرمّزة، والعملات المستقرة في المدفوعات العابرة للحدود وإدارة السيولة، مع مساهمة التمويل الرقمي في تعزيز جهود الشمول المالي، وتحفيز النمو الاقتصادي، بالإضافة لتوفير المزيد من الكفاءة والأمان في المعاملات المالية.
ومن الجدير بالذكر أنه في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها دولة الإمارات لتعزيز جاهزيتها لمواكبة التحولات المتسارعة في المشهد المالي العالمي، قامت الدولة بتطوير أُطر تنظيمية مرنة تواكب الابتكارات الحديثة، إلى جانب استثمارات مبكرة في مختلف أنواع الأصول الرقمية، ما يعكس حرصها على الجمع بين النظام المالي التقليدي والتقنيات المالية الحديثة. كما شملت هذه الجهود خططاً لإطلاق عملة مستقرة مدعومة بالدرهم الإماراتي، مع تكثيف التجارب المتعلقة بالدرهم الرقمي في عمليات الدفع بين البنوك، وهو ما يعكس توجُّهاً استراتيجياً لبناء منظومة مالية رقمية متكاملة تهدف إلى تعزيز نمو وتطور القطاع المالي والمصرفي في الدولة.
وقد نفّذت وزارة المالية ومالية دبي في نوفمبر 2025 أول معاملة مالية حكومية بالدولة باستخدام الدرهم الرقمي، بما يمهّد مستقبلاً لتوسعة نطاق استخدام العملة الرقمية الوطنية في المعاملات الحكومية والخاصة. وفي إطار استراتيجيات الدولة لتحديث الإطار التشريعي والرقابي لقطاعها المالي، تم تعيين هيئة الأوراق المالية والسلع (هيئة سوق المال حالياً)، بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 111 لسنة 2022، بصفتها السلطة الاتحادية الأساسية المسؤولة عن الإشراف على أنشطة الأصول الافتراضية وتنظيمها بدولة الإمارات، بما في ذلك المناطق الحرة، مع استثناء المناطق الحرة المالية والأنشطة التي تندرج ضمن اختصاص السُّلطات الاتحادية أو المحلية الأخرى، ما يعزّز جاذبية قطاعها المالي للاستثمار الأجنبي.
وفي السياق ذاته، أصبحت «بينانس» أول منصّة تداول عملات مشفّرة على مستوى العالم، تحصل على ترخيص عالمي بموجب الإطار التنظيمي لأبوظبي العالمي (ADGM)، مما أسهم في إرساء معيار عالمي جديد للإشراف على الأصول الرقمية، وتعزيز ريادة أبوظبي في الابتكار المالي. كما تم الإعلان مؤخراً عن مجمع التكنولوجيا المالية والتأمين والأصول الرقمية والبديلة، بقيادة دائرة التنمية الاقتصادية – أبوظبي، ومكتب أبوظبي للاستثمار، ما يعزّز تنافسيةَ أبوظبي كوجهة رائدة للأعمال إقليمياً وعالمياً.
وبناءً على ما سبق، يتضح أن الزخم المتصاعد لاقتصادنا الوطني كان ثمرة رؤية استراتيجية متكاملة، تعكس إدراكاً عميقاً لمتطلبات التحول الاقتصادي المستدام. ولا شك في أن تعاظم دور القطاع المالي، وتنامي مساهمته في دفع عجلة النمو غير النفطي، إلى جانب التوقعات الإيجابية لنمو الاقتصاد الوطني خلال الأعوام المقبلة، يؤكدان قدرة الدولة على ترسيخ نموذج تنموي مرن ومتجدد.
وفي ظل التوسع المتواصل في الخدمات المالية والسياحة والبناء، تواصل الإمارات تعزيز مكانتها مركزاً عالمياً رائداً لصناعة العملات المشفّرة وتقنيات «البلوك تشين»، بما يعكس جاهزيتها لقيادة اقتصاد المستقبل وترسيخ موقعها كأحد أكثر البيئات استقراراً وجاذبيةً للاستثمار في القطاعات الناشئة سريعة النمو.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.


