في الاقتصاد يتطلب كل اختيار تضحية، فلا يوجد قرار بلا ثمن، ويُعرف ذلك بمفهوم «تكلفة الفرصة»، أي قيمة الخيار الأفضل، الذي يجرى التخلي عنه عند اتخاذ قرار معين. ومعنى ذلك أنه من أجل الحصول على شيء، لا بد من التخلي عن شيء آخر، فالوقت الذي يُخصّص لمسار معين لا يمكن تخصيصه لمسار آخر، وتُعد هذه المفاضلة جوهر التفكير الاقتصادي.
وتكلفة الفرصة لا تُقاس بالمال فقط، بل بالوقت والطاقة والفرص المهنية والبدائل الشخصية أيضاً. وكلما ارتفعت قيمة هذه البدائل ارتفعت تكلفة التخلي عنها.
وعند تطبيق هذا المفهوم على قرار الإنجاب يتَّضح أن الطفل لا يُقارن بالتكلفة المادية لإنجابه فقط، بل بالفرص التي يُجرى التخلي عنها من أجله. وبالنسبة إلى المرأة قد تعني تكلفة الفرصة تأجيل الترقية، أو تقليص الحضور المهني في سنوات حاسمة من بناء المسار الوظيفي، أو إبطاء تراكم الخبرة. ومع ارتفاع التعليم والعائد على رأس المال البشري تصبح ساعة العمل ذات قيمة أعلى، ومن ثمَّ تصبح تكلفة التخلي عنها أكبر.
أما بالنسبة إلى الرجل، فتظهر تكلفة الفرصة في هيئة التزامات مالية طويلة الأجل، وضغوط اقتصادية تحدُّ من حرية الحركة المهنية، أو الاستثمارية، ولا سيما في مراحل التأسيس. ومع تطور الأدوار الأسرية، وزيادة مشاركة الآباء في الرعاية، لم يعُد العبء الزمني محصوراً في فرد واحد.
وهنا يظهر مفهوم التحليل الإضافي، وهو أحد أعمدة التفكير الاقتصادي، فالقرارات لا تُبنى على التكاليف الكلية، بل على التفكير في تكلفة الخطوة التالية ومنفعتها، فيصبح السؤال: هل العائد من الطفل الإضافي يفوق التكلفة الإضافية المرتبطة به؟ لم يعد التركيز على قيمة الأطفال في حد ذاتهم فقط، بل على المفاضلة بين المنفعة والتكلفة لكل قرار جديد أيضاً.
وتُظهِر الدراسات الحديثة أن قرار الإنجاب الأول هو الأكثر حساسية لعوامل الوقت والمخاطرة وعدم اليقين، فالانتقال إلى الأبوة أو الأمومة يعني إعادة تنظيم جوانب عديدة من الحياة. وفي الإنجابات اللاحقة يبدأ الأفراد بموازنة الاستثمار في جودة الطفل عن طريق توفير تعليم أفضل، ورعاية أكبر، ووقت نوعي أعلى، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع التكلفة الإضافية لكل طفل جديد.
كما تشير الأدبيات إلى أن المعايير الاجتماعية تتغير، فحين تصبح الأسرة الصغيرة هي القاعدة، ترتفع تكلفة الخروج عن هذا النمط، وكذلك حين ترتبط المكانة الاجتماعية بالنجاح المهني والاستثمار المكثّف في كل طفل، فإن وزن التكلفة يصبح أكبر في ميزان القرار.
ومن منظور استراتيجي، فإن انخفاض الخصوبة اليوم لا يعكس تراجع قيمة الأسرة، بل يعكس تغيراً في طريقة وزن الفرص البديلة، فالأفراد لا يرفضون الإنجاب، بل يقيسونه بميزان أدق: ماذا سأخسر مقابل ما سأكسب؟
ولذلك، فإن أي سياسة تستهدف دعم الخصوبة يجب أن تركّز على خفض تكلفة الفرصة الفعلية والمدركة عبر مرونة العمل، ودعم التوازن بين الحياتين المهنية والأسرية، وتعزيز مشاركة الأب، وحينئذٍ يصبح الإنجاب خياراً متوافقاً مع الطموح، لا على حسابه.
إذنْ الإنجاب اليوم لم يعد قراراً عاطفيّاً فقط، بل قرار اقتصادي يُوزَن بـ«ميزان الحافة»، إذ تُحدَّد الاختيارات عند نقطة التقاء التكلفة الإضافية، والمنفعة الإضافية.
*أستاذ مساعد في الاقتصاد وعضو هيئة التدريس في قسم الاقتصاد والمالية بجامعة الإمارات العربية المتحدة.