أكدت دول مجلس التعاون الخليجي قدرتها على التصدي للاعتداءات الإيرانية السافرة التي تستهدف الأعيان المدنية وتسعى إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة. واستطاعت دول الخليج العربية توظيف قدراتها الدفاعية في مواجهة هذه الاعتداءات من خلال جاهزيتها واستثمارها في العنصر البشري القادر على استيعاب التقنيات المتطورة.
لطالما أثبت قادة دول الخليج العربي، تفوّقاً وريادة منقطعة النظير في التعاطي مع الأحداث كيفما كانت في وقت السِّلم والحرب. وفي ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبرز مواقف قادة دول الخليج العربي كنموذج يُحتذى به في التعقُّل السياسي والاتزان الاستراتيجي. ففي وقت تتجه فيه بعض الأطراف نحو التصعيد والمواجهة، اختارت القيادات الخليجية طريق الحكمة وضبط النفس، واضعةً مصلحة شعوبها واستقرار أوطانها فوق كل اعتبار. ولقد أثبتت هذه القيادات، عبر مواقفها المدروسة، أنها تدرك تماماً خطورة الانجرار إلى صراعات إقليمية قد تكون عواقبها وخيمة على المنطقة بأسرها. ومن هنا، جاء حرصها على تبنّي سياسات متوازنة تقوم على التهدئة، وتغليب لغة الحوار، والعمل الدبلوماسي، بدلاً من الانخراط في نزاعات لا تخدم الأمن والاستقرار.
سياسة دول مجلس التعاون الخليجي ترتكز على رؤية متماسكة متزنة تدرك المخاطر الراهنة وتعمل في الوقت نفسه على مواجهة التحديات بقوة من أجل حماية المكتسبات.
وهذا النهج لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لمدرسة سياسية راسخة تقوم على الاعتدال والتبصر في اتخاذ القرارات، بالنظر إلى أن من أبرز ما يميّز قادة الخليج العربي في هذه المرحلة الحساسة هو قدرتهم على قراءة المشهد الإقليمي والدولي بعمق، وفهم أبعاده المختلفة، دون الانسياق وراء ردود الأفعال السريعة أو الضغوط الخارجية. فقد واجهت دول الخليج محاولات متعددة لجرّها إلى أتون الصراع، سواء عبر التصعيد الإعلامي أو الاستفزازات المباشرة، إلا أن هذه المحاولات قوبلت بوعي كبير، ورفض واضح للانخراط في أي عمل من شأنه زعزعة أمن المنطقة، وقد برزت صفة المسؤولية العالية لدى هذه القيادات، حيث وضعت نُصب أعينها حماية مقدّرات شعوبها، والحفاظ على المكتسبات التنموية التي تحققت على مدى عقود.
فقد عملت هذه الدول بشكل مشترك على تبادل الرؤى، وتوحيد المواقف، بما يضمن تحقيق أعلى درجات الحماية الجماعية، ويعزّز من قدرتها على التعامل مع الأزمات. ومن جهة أخرى، فإن ما نشهده اليوم من مواقف خليجية متزنة يعكس نضجاً سياسياً كبيراً، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، تؤكد أن هذه الدول قادرة على حماية نفسها، وأيضاً تستطيع الإسهام في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
الحروب، بطبيعتها، تعرقل مسيرة التنمية، وتستنزف الموارد، وهو ما تدركه دول الخليج جيداً، لذلك جاء موقفها ثابتاً في تجنُّب أي تصعيد قد يؤثّر على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي. ومن الجوانب الإيجابية الأخرى التي تجلّت في مواقف قادة الخليج، هو تعزيز التعاون والتنسيق فيما بينهم، حيث ظهرت وحدة الصف الخليجي كعامل مهم في مواجهة التحديات.
وفي ظل هذه الظروف المعقّدة، تبقى حكمة قادة دول الخليج صمام أمان، ليس فقط لدولهم، بل للمنطقة بأسرها. وفي الختام، وضمن كلمة للتاريخ، نقول إن التاريخ سيسجّل لهذه القيادات مواقفها الحكيمة في هذه المرحلة الدقيقة، حيث اختارت طريق العقل والتروي، ورفضت الانجرار وراء الصراعات، لتؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها العسكرية، بل أيضاً بحكمتها في إدارة الأزمات. اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
*كاتب كويتي


