لا أعتقد أن أكثر ما يسيء إلى حقوق الإنسان هو انتهاكها، بل سوء فهمها.. فعلى امتداد سنوات عملي في هذا المجال، لاحظتُ أن كثيراً من النقاشات تبدأ من افتراضات خاطئة. فالبعض يختزل حقوق الإنسان في حرية التعبير، وآخرون يُقصرونها على الحقوق السياسية، بينما يربطها غيرهم فقط بالتقارير الدولية أو المنظمات الحقوقية. ويُغفل كثيرون أن حقوق الإنسان منظومة أوسع من ذلك بكثير، تشمل الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والرقمية، وتمتد إلى كل ما يحفظ كرامة الإنسان وجودة حياته.. ومع كل نقاش جديد، أزداد قناعةً بأن المشكلة ليست في أهمية حقوق الإنسان، فهذه حقيقة لا خلاف عليها، وإنما في فهم معناها الحقيقي.
حقوق الإنسان ليست شعاراً سياسياً، ولا مصطلحاً قانونياً يُستدعى عند وقوع أزمة، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من احترام الإنسان، وتنتهي ببناء دولة تجعل كرامته محور تشريعاتها وسياساتها. ولهذا فإن أول اختبار حقيقي لحقوق الإنسان لا يكون أمام المحاكم، وإنما في تفاصيل الحياة اليومية، في طريقة تعاملنا مع الآخرين، وفي احترام القانون، وفي حفظ الخصوصية، وفي الكلمة التي قد تبني إنساناً أو تهدمه.
ومن أكثر المفاهيم التي تستحق إعادة التأمل، الاعتقاد بأن الحقوق يمكن أن تنفصل عن الواجبات. والحقيقة أن العلاقة بينهما ليست علاقة توازن، بل علاقة وجود. فلا يمكن أن أطالب بحقي في الكرامة، بينما أنتقص من كرامة غيري، ولا أن أدافع عن حرية التعبير، ثم أُبرِّر خطاب الكراهية أو نشر الشائعات أو الإساءة إلى سمعة الناس. فالحق الذي لا تحكمه المسؤولية، يتحول مع الوقت إلى اعتداء على حقوق الآخرين.
وهذا الفهم لحقوق الإنسان لا يكتمل إلا عندما يُترجم عملياً إلى تشريعات وسياسات ومؤسسات تنعكس على حياة الناس.. ولعل ما يُميِّز التجربة الإماراتية أنها لم تتعامل مع حقوق الإنسان باعتبارها ملفاً منفصلاً عن مشروع الدولة، وإنما جعلت الإنسان محور التنمية منذ قيام الاتحاد. فالاستثمار في التعليم، والرعاية الصحية، وجودة الحياة، وتمكين المرأة، ورعاية أصحاب الهمم، وتعزيز قيم التسامح والتعايش، وتطوير المنظومة التشريعية، وغيرها، ليست مسارات متوازية، بل أجزاء من رؤية واحدة تؤمن بأن التنمية الحقيقية تنطلق من الإنسان وتنتهي إليه. ولهذا فإن حماية الحقوق لا تُقاس فقط بما يصدر من تشريعات، وإنما بما ينعكس على حياة الناس واستقرارهم وفرصهم وثقتهم في العدالة.
ومن خلال العمل الحقوقي، أدركتُ أن أخطر ما يواجه حقوق الإنسان ليس دائماً الانتهاكات الجسيمة، بل التجاوزات الصغيرة التي يعتادها المجتمع حتى تصبح سلوكاً مألوفاً. فالتهاون في احترام الخصوصية، أو إطلاق الاتهامات دون دليل، أو تبرير الإساءة بحجة الاختلاف، كلها ممارسات قد تبدو بسيطة، لكنها مع الوقت تُضعف ثقافة الحقوق وسيادة القانون. فحماية حقوق الإنسان لا تبدأ عند وقوع الانتهاك، وإنما تبدأ عندما يرفض المجتمع التطبيع مع الخطأ، لأن كل انتهاك كبير كان في بدايته تجاوزاً صغيراً مرَّ دون مساءلة أو استنكار.
ويبقى المعيار الحقيقي لحقوق الإنسان أثرُها في حياة الناس، وما تمنحه لهم من كرامة وعدالة وأمان. وعندما تصبح كرامة الإنسان ثقافة يمارسها المجتمع قبل أن يحميها القانون، تتحول حقوق الإنسان من نصوص تُقرأ وشعارات تُرفع، إلى سلوك يومي يعكس رُقيَّ المجتمع وقوة الدولة.

*رئيسة مجلس إدارة جمعية الاتحاد لحقوق الإنسان.