ليست أزمة العقل المسلم اليوم أزمةَ مرجعية، فمرجعيته لا تزال غنية بالأصول والقواعد والمقاصد وتجارب الاجتهاد.. وإنما أزمته الأعمق هي في كيفية تحويل المرجعية إلى قدرة على قراءة الواقع وصناعة المآل. فليس السؤال: ماذا نملك من تراث؟ بل السؤال هو: ماذا نستطيع أن نصنع به؟ وليس التحدي في كثرة الأجوبة، وإنما في جودة الأسئلة التي تسبقها.

لقد اعتاد جزء من خطابنا أن يتحرك بعد وقوع الأشياء: تظهر النازلة، ثم نبحث عن حكمها.. تتفاقم الأزمة، ثم نناقش أسبابها.. يتشكّل واقع جديد، ثم نحاول تكييفه. وهذا لون من الاجتهاد لا غنى عنه، لكنه لا يكفي لبناء أمة تريد أن تكون فاعلةً في التاريخ. فالعقل الحضاري لا يكتفي بفقه الواقع بعد تشكله، بل يسأل عن مقدماته واتجاهاته ومآلاته قبل أن يستحكم.
وهنا تستعيد أصولُ الفقه وظيفتَها الكبرى. فاعتبار المآلات ليس باباً هامشياً في النظر، وتحقيق المناط ليس مجردَ تنزيل تقني للحكم، وسد الذرائع وفتحها ليسا آليتين جزئيتين، بل كلها تعبير عن عقل لا ينظر إلى الفعل منفصلاً عن نتائجه، ولا إلى الحكم منفصلاً عن أثره، ولا إلى الحاضر منفصلاً عن المستقبل. ومن ثم فإن نهضة العقل المسلم تبدأ حين ينتقل من فقه الحادثة إلى فقه ما قبل الحادثة.. من معالجة النتائج إلى بناء الشروط التي تمنع فسادَها أو تعظم مصالحها.
 والمقاصد نفسُها تحتاج إلى أن تسترد هذا البعد. فحفظ العقل اليوم لا يقتصر على حمايته من المسكر، بل يشمل حمايتَه من التضليل، والاستلاب، والتبعية المعرفية، ومن الخوارزميات التي تعيد تشكيلَ وعي الإنسان من حيث لا يشعر. وحفظ الدِّين لا يكون بكثرة الشعارات، بل بصيانة معناه من التوظيف والاختزال. وحفظ المال يتجاوز حماية الملكية إلى بناء قدرة اقتصادية منتجة. وحفظ النسل لا ينفصل عن قوة الأسرة واستقرار المجتمع. وهكذا تصبح المقاصد مشروعاً للعمران، لا مجرد قائمة للحفظ.
 إن العالَمَ الجديدَ لا يكافئ الأكثر امتلاكاً للمعلومات، بل الأكثر قدرةً على التمييز والتحليل والتركيب والاستشراف. ولهذا لم يعُد ممكناً أن يعمل الفقيهُ وحده، أو المفكرُ وحده، أو التقني وحده. تعقد الواقع يفرض عقلاً مركباً، تتجاور فيه الشريعةُ والاقتصادُ والفلسفةُ والاجتماعُ والتقنيةُ، لأن النازلة المعاصرة لم تعُد ذات وجه واحد.
كما أن النهضة لا تُبنى بعقل يخاف من السؤال.. السؤال ليس تهديداً للإيمان، وإنما قد يكون طريقاً إلى تجديد فهمه. والخطر الحقيقي ليس في أن يسأل الجيل الجديد، بل في أن يجد أسئلتَه خارج مؤسساته العلمية، وأجوبته عند مَن لا يعرف مرجعيتَه ولا حاجاتِه.
ومن هنا تبرز ثلاثة أسئلة حاسمة: كيف نعيد إلى العقل المسلم شجاعةَ السؤال؟ وكيف يتحوّل الاجتهادُ من ملاحقة الواقع إلى المشاركة في توجيهه؟ وكيف نبني إنساناً راسخَ المرجعية، واسعَ المعرفة، قادراً على صناعة المستقبل؟
إن الأمة لا تتأخر لأنها فقدت ماضيها، بل حين تعجز عن تحويل ماضيها إلى قوة للمستقبل. ونهضة العقل المسلم تبدأ يوم يستعيد قدرتَه على أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يستشرف قبل أن يستجيب، وأن يصنع المآلات بدل أن يكتفي بشرحها.


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة