في وقت سابق من أكتوبر الجاري، توجه الرئيس دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث إلى «سبارو بوينت»، وهو حوض بناء السفن القديم التابع لشركة «بيثلهيم ستيل» جنوب بالتيمور، للاحتفال باستثمار ضخم جديد في الغواصات الأميركية. وستنفق شركة «أندوريل» الدفاعية 3.7 مليار دولار من أموالها لبناء حوض هناك، فيما منحتها البحرية الأميركية عقداً تصل قيمته إلى 2.9 مليار دولار.
وقد تساهم المنشأة الجديدة، «أرسنال-2»، بشكل كبير في إصلاح القاعدة الصناعية للغواصات الأميركية، لكن نجاحها يتوقف على تعزيز سلسلة الإمداد بأكملها. منذ عام 2011، طلبت البحرية الأميركية الحصول على نحو غواصتين هجوميتين سنوياً، لكن الإنتاج بلغ مؤخراً متوسطاً لا يتجاوز 1.2 غواصة. وأبلغ الأدميرال داريل كودل، رئيس العمليات البحرية، الكونجرس في مايو الماضي أن الإنتاج سيصل إلى غواصتين سنوياً بحلول 2032، أي بعد أربع سنوات من توقعات البحرية لعام 2023. ويخضع ثلث الأسطول الحالي للصيانة أو ينتظرها، كما وافقت الولايات المتحدة على بيع ثلاث غواصات إلى أستراليا بموجب الشراكة الدفاعية «أوكوس»، ما يعني الحاجة إلى مزيد من الغواصات. ويرجع نقص الإنتاج أساساً إلى التعقيد الاستثنائي للغواصات وسلاسل إمداده، عدد قليل من الموردين يستطيع صب وتشكيل الأجزاء الكبيرة من منظومة الدفع، التي تحرك الغواصة في الماء، ويعتمد فولاذ الهيكل على بضعة مصانع وأفران قادرة على إنتاج ألواح بالأحجام المطلوبة.
وتضم منظومات السونار آلاف المحولات الصوتية الخزفية، ولا تصنعها وفق معايير البحرية الأميركية سوى شركات قليلة عالمياً. كما ستمنع قاعدة لوزارة الحرب الأميركية، اعتباراً من العام المقبل، المقاولين الدفاعيين من شراء مغناطيسات العناصر الأرضية النادرة من الصين، وهي مكونات تعتمد عليها الغواصات. وحتى البلاطات الشبيهة بالمطاط التي تخفي الغواصة عن السونار المعادي تُلصق بمواد شديدة الحساسية، فتغيير تركيبتها قد يتطلب إعادة اختبارات طويلة. وتركز واشنطن اهتمامها على شركتي تجميع الغواصات الهجومية: «جنرال دايناميكس إلكتريك بوت» في كونيتيكت، و«نيوبورت نيوز شيب بيلدينغ» التابعة لـ«هانتينغتون إنغالس» في فرجينيا. وتسعى منشأة «أندوريل» إلى توسيع الإنتاج خارج نطاق المصنعين التقليديين. لكن لا تقل أهمية سلسلة الشركات الصغيرة التي تمدهما بالمكونات الأساسية، إذ لا يواجه نحو 70% منها أي منافس. وينبغي للكونجرس والبحرية إخضاع صفقة «أندوريل» لثلاثة معايير: أولاً، أن تضيف «أرسنال-2» طاقة إنتاجية لدى الموردين، لا أن تزاحمهم على المتاح.
فقد يشتري الحوض الجديد مسبوكاته من المسبك نفسه المثقل بالطلبات الذي تعتمد عليه الأحواض القائمة، أو يستقطب المفتشين من الموردين، فتطول قوائم الانتظار في أماكن أخرى. ولتفادي ذلك، ينبغي للبحرية ومقاوليها الرئيسيين تقديم التزامات شراء مؤكدة لعدة سنوات إلى المصنّعين الصغار، ومساعدتهم على تمويل المعدات والمنشآت الجديدة.
ثانيًا، أن يوسع التوظيف في حوض ماريلاند قاعدة العمالة الماهرة. ومن المتوقع أن يوفر المشروع 3100 وظيفة مباشرة. وتقول «أندوريل» إنها ستستقطب موظفين من شركات الطيران والفضاء والسيارات التجارية، ومن المدارس الثانوية والمهنية، وهي خطة معقولة. أما إذا استقطبت عمال اللِحام والمفتشين ذوي الخبرة من «إلكتريك بوت» و«نيوبورت نيوز» ومورديهما، فستكون مكاسب الصناعة أقل بكثير.
ثالثًا، وربما الأهم، أن تسهم مكونات «أرسنال-2» في تقليص جداول بناء الغواصات. وستركز المنشأة في البداية على أجزاء مثل أنابيب الطوربيدات، التي ستُرسل إلى «إلكتريك بوت» و«نيوبورت نيوز» لإتمام التجميع. لكن وصول أنبوب مبكراً لا يفيد كثيراً إذا افتقر الحوض المستلم إلى العمالة أو المساحة لتركيبه، لذا يجب على البحرية تنسيق تسليمات «أندوريل» مع خطط دمج المكونات لدى المصنعين.
وفي عام 2024، وجد مكتب المحاسبة الحكومي أن البحرية لا تملك آلية ثابتة لتقييم ما إذا كان إنفاقها يزيد الإنتاج. ويتيح عقد «أندوريل» القائم على الدفع مقابل النتائج، والذي يكافئ الإنجازات الإنتاجية المثبتة، للكونجرس المطالبة بأدلة أفضل.
وينبغي للمشرعين متابعة عدد الأجزاء المقبولة أو المعادة، وما إذا كانت الغواصات المكتملة تغادر الأحواض في وقت أقرب. لن تعيد منشأة واحدة قدرة الولايات المتحدة على بناء السفن فوراً. وعندما تبدأ «أرسنال-2» العمل في 2030، فالمهم هو ما إذا كانت الغواصات الهجومية ستغادر كونيتيكت وفرجينيا مبكراً بفضل وصول الأجزاء من ماريلاند.
وحظي حوض بناء السفن التابع لشركة «بيثليم ستيل» في فيرفيلد، بمدينة بالتيمور، بإشادة واسعة خلال الحرب العالمية الثانية لبنائه 384 سفينة من طراز ليبرتي، وهو إنجاز اعتمد على محركات صُنعت في ورش ميكانيكية في جميع أنحاء البلاد. وإذا كان مشروع «أرسنال-2» سيحظى بإشادة مماثلة لزيادة إنتاج الغواصات الأميركية، فسيكون من الضروري دعم نمو المصانع الصغيرة التي تُغذي البرنامج.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
مدير معهد «باين» للسياسات العامة في كلية كولورادو للمناجم.


