تستعد سوريا لدخول عام 2027، ومواجهة «تحديات الثقة المصرفية»، مستندةً إلى منحة البنك الدولي البالغة 100 مليون دولار، لتحديث القطاع المالي، وتطوير أنظمة المدفوعات، وتفعيل السياسة النقدية لمصرف سوريا المركزي. وقد اتفقت دمشق مع مجموعة البنك على إنشاء صندوق ائتماني متعدد المانحين ليكون وعاءً مالياً تضع فيه دولٌ ومؤسساتٌ عدةٌ أموالَها، وتتولى إدارتَه جهةٌ واحدةٌ، لتقديم القروض والضمانات للمستثمرين.
ويتزامن هذا مع تأكيد صندوق النقد الدولي ضرورةَ تسريع إعادة تأهيل المصارف وفحص سلامة أوضاعها المالية، وتطوير التشريعات والرقابة المصرفية، إضافة إلى إعلان حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان عن استثمارات عربية وأجنبية مرتقبة عبر تأسيس مصارف جديدة قد تتجاوز مليار دولار، واشتراط وجود شريك مصرفي استراتيجي يملك حصة لا تقل عن 10 في المئة.
ويبدو أن المسألة لا تتعلق فقط بفتح أبواب المصارف أمام المستثمرين، أو السماح بدخول مصارف جديدة إلى السوق السورية، بل أيضاً بإعادة بناء الثقة في النظام المالي. وتكمن أهميةُ هذا التحوّل في أن سوريا تحتاج إلى موارد مالية ضخمة لإعادة تأهيل البنية التحتية، وإحياء القطاعات الإنتاجية، واستعادة النشاط التجاري، وتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ولا يمكن للحكومة وحدها أن تتحمل هذه الأعباء، خصوصاً في ظل محدودية مواردها المالية، ما يجعل المصارف المحلية والشركات المصرفية العربية والأجنبية، جزءاً أساسياً من أي استراتيجية اقتصادية جديدة.ولذلك، ينتظر أن يشكّل العامُ المقبلُ محطةً لإعادة تشكيل القطاع المصرفي السوري، مع اتساع الحاجة إلى تمويل إعادة الإعمار، واستعادة الثقة بالعملة الوطنية، وربط الاقتصاد السوري بالنظام المالي العالمي. لكن هذا التحوّل المرتقب من قطاع مصرفي محدود القدرة على التمويل والتعاملات الخارجية، إلى قطاع قادر على جذب الاستثمارات العربية والأجنبية، لن يكون تلقائياً، لا سيّما أنه يرتبط بمدى استقرار البيئة القانونية والنقدية، ووضوح قواعد الاستثمار، وقدرة المصارف على معالجة إرث السنوات الماضية.
ويوجد في سوريا حالياً 21 مصرفاً، منها 6 مصارف للدولة، و11 مصرفاً تقليدياً للقطاع الخاص، و4 مصارف إسلامية، يمتلكها عدد من المستثمرين العرب من لبنان والأردن وقطر والبحرين والسعودية، إضافة إلى مساهمين أجانب ومؤسسات بعضها فرنسية.
وتتركز الجهود السورية للتوجه نحو استقطاب رساميل عربية وتركية وأجنبية جديدة، وذلك في إطار خطط تطوير القطاع المصرفي. وهذا، مع الإشارة إلى التوسع في نشاط المصارف الخاصة، والاتجاه إلى تخصيص المصارف العمومية، أو تحويلها إلى استثمار مشترك بين القطاعين العام والخاص. ولا شكّ في أنه من المبكر الجزم بأسماء المصارف التي ستستحوذ على حصص أو تحصل على تراخيص جديدة، ما لم تعلن الجهات المعنية قرارات رسمية. لكن يمكن تحديد الفئات الأكثر قدرةً على دخول السوق، وفقاً لخبرتها ومصالحها التجارية، وتبرز في هذا المجال المصارُف الخليجية التي تمتلك خبرةً في تمويل الشركات والمشروعات الكبرى والخدمات المصرفية والإسلامية والرقمية.. وقد تدخل السوقَ عبر شراكات استراتيجية، أو خدمات دفع وتمويل التجارة، لكن لا ينبغي اعتبار الاهتمام الإقليمي دليلاً على التزام استثماري نهائي من أي مصرف بعينه.
وهكذا، تبقى الإشارةُ إلى أن عام 2027، قد يمثّل بدايةَ مرحلة جديدة للاستثمار المصرفي السوري، خصوصاً مع تراجع الحواجز الخارجية، لكن وصفه بأنه «عام ذهبي»، سيكون سابقاً لأوانه قبل ظهور نتائج ملموسة على مستوى التراخيص ورأس المال المدفوع، وجودة الأصول والودائع والتحويلات.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية


